الأربعاء، 20 أكتوبر 2010

"أجمل سنوات شبابنا" La meglio gioventù لغز محير يقف في مواجهة صناع السينما الأوربيين


تحول الفيلم الإيطالي الجديد "أجمل سنوات شبابنا"  La meglio gioventù إلى لغز محير يقف في مواجهة صناع السينما الأوربيين من دون تفسير واحد يبرر الإقبال الجماهيري الضخم والغير معهود على مشاهدته، وأصبح الفيلم الذي تمتد ساعات عرضه إلى ست ساعات عبر جزأين مدة كل منهما 180 دقيقة ظاهرة غريبة في السينما الأوربية الحالية، حيث يعرض منذ سبعة شهور متواصلة في مختلف دور السينما البلجيكية والإيطالية، وشاهده حتى الآن أكثر
من نصف مليون إيطالي وما يقرب من 150 ألف مشاهد في بلجيكا وحدها خلال الأسابيع الثلاثة الأولى لعرضه، على الرغم من أنه ليس من النوعية التجارية التي تجذب إليها الجمهور، وربما تتسع دهشتنا أكثر وأكثر حين نعرف أن الفيلم الذي أخرجه الإيطالي "ماركو تيليو جيوردانا – Marco Tullio Giordana" (53 عاماً) كان قد كتب في الأساس ليكون عملاً تلفزيونياً قصيراً لصالح قناة  “RAI” الإيطالية، ولكن تم رفضه في النهاية من القناة نفسها بدون إبداء أية أسباب لهذا الرفض، والصحافة الإيطالية لم تزل حتى وقتنا هذا منقسمةحول الأسباب التي دفعت القناة التلفزيونية إلى رفض العمل الذي طلبته في البداية، فهناك فريق يزعم بأن القناة التلفزيونية رأت أن مستوى الفيلم كان من الجودة بحيث فضلت عرضه تجارياً في دور السينما، وفريق آخر يقول بأن الرئيس الإيطالي "سيلفيو بيرلسكوني" كان السبب الرئيس في عدم عرض الفيلم تلفزيونياً، بحجة أن به انتقادات عديدة للسياسيات الإيطالية الراهنة.
وأياً تكن الأسباب التي حالت دون أن يصبح هذا الفيلم عملاً تلفزيونياً، فقد ربحت السينما الإيطالية ومحبيها عملاً بديعاً وشاعرياً شديد الرقة والرهافة في الآن نفسه، نستطيع اعتباره إرهاصة أولى بعودة زمن الملاحم السينمائية الإيطالية من جديد، وعودة الجوائز السينمائية الكبرى - التي اقتصرت في السنوات الأخيرة على مخرجين محدودين، لعل أبرزهم "روبرتو بنيني" صاحب فيلمي "الحياة حلوة" و"بينوكيو" - للأعمال الإيطالية الدرامية الطويلة، فقد حصل "أجمل سنوات شبابنا" على العديد من الجوائز السينمائية الهامة، منها جائزة الجمهور في مهرجان روتردام السينمائي الدولي الذي أقيم في فبراير الماضي 2004، كما حصل على جائزة أفضل فيلم أجنبي في قسم "من نظرة خاصة" من مهرجان كان السينمائي الدولي قبل الماضي 2003، وفي إيطاليا نال الفيلم ستة جوائز في مهرجان "دافيد دوناتيلو" والذي أقيم في أبريل الماضي 2004 وتعتبره الأوساط السينمائية هناك بمثابة الأوسكار الإيطالية، وهي جوائز أحسن إنتاج، أحسن صوت، أحسن مونتاج، أحسن مؤثرات صوتية، وأحسن مؤثرات بصرية، وكانت آخر الجوائز الهامة التي حصل عليها الفيلم هي الجائزة الكبرى من اتحاد النقد السينمائي الهولندي والبلجيكي، والمعروف اختصاراً بـ "UFK" في أبريل الماضي 2004.
من خلال هذه الملحمة السينمائية الإيطالية الجديدة، نطالع تاريخ وأحداث آخر 40 سنة من عمر إيطاليا الحديثة، بداية من التقلبات السياسية التي مرت بها البلاد خلال ستينيات القرن الماضي، والتي تمثلت في ظهور العديد من الجماعات السياسية المتطرفة مثل "السرايا الحمر" والجماعات الشيوعية وبقايا الاتجاهات الماركسية والفاشستية، وانتهاءً بالحرب التي واجهتها الدولة مع جماعات المافيا، خاصة في جزيرة سيسليا التي أرعبت المجتمع الإيطالي خلال سنوات الثمانينيات والتسعينيات، والتي وصلت إلى ذروتها عام 1992 باغتيال القاضي "جيوفاني فالكوني – Giovanni Falcone"، مروراً بسيول فلورنسا التي حدثت في بداية التسعينيات من القرن الماضي والتي أغرقت المتاحف الإيطالية الكبرى، وأفسدت العديد من التحف الفنية، ويرصد الفيلم لنا كيف قامت إيطاليا كلها لإنقاذ تراثها الفني العريق من الدمار.
كل هذه الأحداث السياسية تنعكس تأثيراتها أمامنا على حياة أفراد أبطال الفيلم، الذين يشكلون إحدى العائلات شبه الأرستقراطية في إيطاليا آنذاك، وهي عائلة "كراتي – Carati" المكونة من الوالدين وأربعة أشقاء شابين وفتاتين، وتبدأ أحداث الفيلم في العام 1966، حيث ينتظر الشقيقين "نيكولا" (قام بدوره لويجي لو كاسكيو – Luigi Lo Cascio) و"ماتيو" (إليسيو بوني –(Alessio Boni  تخرجهما من الجامعة، ولكل منهما أحلامه وطموحاته في شق مستقبله المهني، فالاثنين يدرسان المجال عينه وهو الطب النفسي، ومن خلال هذا التخصص يلتقي الأخ الأصغر "ماتيو" المحب للقراءة  والشعر بإحدى الفتيات المريضات نفسياً تدعى "جورجيا" (قامت بدورها الممثلة الشابة ياسمين ترينكا – Yasmine Trinca)، وحين يكتشف أن سبل العلاج الذي تتعرض له في المستشفى تتعارض مع ما تعلمه في الجامعة، حيث تصعق بالكهرباء وتعزل في حجرات مظلمة وباردة، يقرر أن يخرجها من المستشفى بأي ثمن، وينجح في ذلك فعلاً، وحين يعلم شقيقه بذلك يساعده في إعادة "جورجيا" إلى عائلتها، وحين يفشلا في ذلك، ويكتشفا أن والدها يرفض استقبالها في بيته بسبب كراهية زوجته الجديدة لابنته المريضة، يقرران العودة بها إلى روما وإلحاقها بمستشفى آخر، لكنها تضيع من أمام أعينهما في محطة القطار، حيث تقبض الشرطة عليها لعدم امتلاكها أوراق تثبت شخصيتها، ومنذ هذه اللحظة يبدأ الشرخ العميق بين الشقيقين في الظهور، حين يقرر "ماتيو" العودة فجأة إلى روما تاركاً شقيقه وحده في بلدة أهل "جورجيا" دون إبداء أية أسباب لقراره هذا، وفي روما يكتشف "ماتيو" أنه رسب في امتحاناته النهائية في الجامعة في حين ينجح شقيقه "نيكولا" ويصبح طبيباً نفسياً، فيقرر "ماتيو" الالتحاق بالجيش وكأنه يدير ظهره للعالم كله، مطيحاً بأحلامه في أن يصبح طبيباً، فيما يأخذ شقيقه طريقه نحو العمل ثم السفر محاولاً تحقيق حلمه بالوصول إلى القطب الشمالي، حتى يصل إلى النرويج، وهناك تصل إليه أنباء السيول الجارفة التي ضربت بلاده وأغرقت كل شيء، فيقرر العودة للمشاركة في محاولات إنقاذ المتاحف، وهناك يقابل "ماتيو" ويكتشف أن شقيقه الذي لم يره منذ تركه في محطة القطار قد التحق بالجيش.
يحاول الفيلم عبر استعراضه المتقن لأبطاله تقديم مفاهيم تاريخية ونفسية لكافة الشخصيات، فـ"نيكولا" هو الشاب الناعم المحب للحياة دون إفراط مثل والده، و"ماتيو" هو الذكي والحساس أكثر من اللازم ولا أحد يستطيع أن يتواصل معه سوى شقيقه الذي يدرك كم هو عنيد، ولا نعرف طوال ساعات الفيلم الست تفسيراً واحداً لتخليه عن كل شيء على هذا النحو الغريب، من ناحية أخرى يتعرف "نيكولا" على "جوليا" في ظل أحداث السيول التي ضربت مدينة فلورنسا، ويرتبط معها بقصة حب تنتج عنها طفلة جميلة، لكن "جوليا" التي تتبنى أفكاراً سياسة متطرفة تضعها دوماً في صدام مع "ماتيو"، تبدأ في إهمال حبيبها وطفلتها ثم تقرر الهرب من البيت الذي تعيش فيه مع "نيكولا"، لتتفرغ لمهامها السياسية المتمثلة في اغتيال بعض الساسة الإيطاليين البارزين، حتى تكلف باغتيال زوج شقيقة حبيبها "نيكولا"، ومن ناحية أخرى نرى كيف أنهى "ماتيو" خدمته في الجيش والتحق بالشرطة، وهناك يجد أنه مكلف بالقبض على مجموعة ضخمة من الشباب المنخرطينفي الجماعات السياسية المتطرفة، والتي بدأت مؤخراً في القيام بسلسلة اغتيالات منظمة للسياسيين، وفي مقدمتهم "جوليا" حبيبة شقيقة الأكبر "نيكولا".
وعلى هذا النحو نجد أن خيوط الفيلم بدأت تتشابك وتتعقد، فيما يشعرنا إيقاع الفيلم الهادئ بأنه أشبه برواية ضخمة، يريد المشاهد قراءتها مرة واحدة كي يعرف نهاية أحداثها بسرعة، حتى يصل بنا الفيلم إلى العام 2002، من دون أن ينسى المخرج المستويين العائلي والسياسي الذين يقدم فيلمه من خلالهما، ومن دون أن يسقط السيناريو البديع الذي كتبه كل من "ساندرو بيتراخليا – Sandro Petraglia" و"استيفانو روللي– Stefano rulli" إيقاع الفيلم الهادئ لحظة واحدة، فنحن نرى نمو الشخصيات ونضجها شيئاً فشيئاً أمام أعيننا وكأننا أصبحنا جزءاً من العائلة التي يقدمها لنا الفيلم، وتبقى عشرات الأسئلة في النهاية من دون إجابات تريحنا، منها أحوال وتصرفات "ماتيو" الغريبة التي دفعته في النهاية إلى الانتحار، بعدما ارتبط بعلاقة حب سريعة بمصورة فوتوغرافية يهرب منها قبل أن يعرف أنها تحمل في أحشائها ابناً منه، وهو ما يكتشفه "نيكولا" بعد انتحار شقيقه المفاجئ.
أنتج الفيلم "أنجلو بارباخلو – Angelo Barbagallo في عامي 2002 و2003، لكن تم عرض الجزأين في توقيت واحد في دور السينما الإيطالية والأوربية، صحيح أن تقنيات الصورة السينمائية التي خرج بها الفيلم أشعرتنا أحياناً أنه نفذ في البداية ليكون عملاً تلفزيونياً، إلا أن عبقرية التمثيل والأداء لدى فريق الفيلم أنستنا هذه الثغرات، ويبدو أن مصور الفيلم "روبيرتو فورزا – Roberto forza" حاول من ناحيته تغيير بعض تقنيات التصوير التي نفذها في البداية لتتناسب مع العرض التلفزيوني للعمل، بمساعدة تقنيات المونتاج من قطع ومزج وإظلام ليشعر المشاهد بأن الصورة التي يشاهدها نفذت للعرض السينمائي وليس التلفزيوني، إلا أن هذه المحاولات لم تنجح بشكل تام، ولولا طاقات التمثيل التي قدمها كل من "لويجي لو كاسكيو"، الذي ذكرنا بإطلالات "آل باتشينو" السينمائية الأولى، و"إليسيو بوني" و"ياسمين ترينكا" و"أدريانا آستي" و"مايا سانسا" و"فابريزيو خيفوني" و"سونيا برخامسكو"، لما استطاع هذا الفيلم أن يترك بداخلنا كل هذا الشجن الجميل.

عماد فؤاد
موقع "إيلاف"

إرسال تعليق

هذا الخيار من الجوال بس . شوف لك خيار ثاني

ابدا الكتابة واضغط انتر للبحث