الجمعة، 1 أكتوبر 2010

الأفلام في الخليج.. نحو الغد

الأفلام في الخليج.. نحو الغد
بسبب نشرها تحت عنوان لا يتسق مع المضمون، ولأهمية الموضوع.. تعيد "الرؤية" نشر نص المداخلة التي قدمها السينمائي والكاتب البحريني أمين صالح في ندوة "تجربة السينما في الخليج من عام 2000 إلى عام 2010" وذلك ضمن فعاليات الدورة الثالثة من مهرجان السينما الخليجي الذي أقيم في دبي مؤخرا. وشارك في الندوة السينمائي والشاعر الإماراتي خالد البدور، والسينمائي السعودي عبدالله آل عياف الذي فاز فيلمه "عايش" بالجائزة الأولى في فئة الأفلام الروائية القصيرة، وأدارها عبدالله حبيب.


أمين صالح
أولاً، أريد أن أبدي تحفظي على مفهوم أو مصطلح "السينما الخليجية" لأنه يوحي بأن هناك، في دول الخليج، سينما ملتحمة عضويا، لها ملامح فكرية وفنية وجمالية واضحة وملموسة، في حين أنها مجرد محاولات وتجارب فردية، متباينة المستوى والقيمة، طرحت نفسها في فترة قصيرة زمنيا. ولأن مثل هذا المصطلح هو سياسي بالدرجة الأولى، وقد يفضي إلى تكريس التمييز والانعزالية اللاواعية. بمعنى أنها ظاهريا محاولة لتوكيد هوية معينة، معتمَدةً جغرافيا، لكنها جوهريا تكرّس شيئاً مختلفاً.
* * *
عندما يقول ناقد احترمه جداً، مثل إبراهيم العريس، في مقابلة له (نقلاً عن جريدة النهار):
"ليس هناك سينما خليجية على الإطلاق (..) هذه الأفلام التي يصنعها الشبان هي أفلام أقل من هواة بالنسبة إلى السينما المصرية أو إلى أي سينما أخرى. هناك محاولات (..) ولكن كل هذا لا يصنع سينما، لا ماض ولا تاريخ، وربما لا مستقبل أيضاً (..) الخليج خارج النقاش في السينما العربية".
عندما يقول ناقد هذا الكلام، وهو بالتأكيد لا يعبّر عن موقف فردي أو حالة مزاجية خاصة، فإنني أجد تحاملاً لا يليق بناقد مهمته أن يدرس ويحلّل ويكتشف، لا أن يلغي أو يقلّل من شأن تجارب ربما لم يشاهد الكثير منها. أما عن مسألة التاريخ، فلا اعتقد أن أحداً طالب الأخوين لوميير أو جريفيث، في بداية السينما، بالامتناع عن تحقيق الأفلام لافتقار السينما – آنذاك – إلى الماضي أو التاريخ. الحاضر يصبح ماضياً بعد 24 ساعة فقط.
* * *
ثمة حقيقة يحب أن يتجاهلَها البعض: إن من يحدد مستقبلَ السينما، تطورها أو تحولاتَها، مظاهرها وطبيعةَ علاقاتها، ليس هو المخرج أو المنتج أو المموّل أو الموزع، بل التكنولوجيا.
منذ اختراع السينما والتكنولوجيا هي التي تتحكم في مسار وتطور هذا الفن، وذلك عبر سلسلةٍ من الاختراعات – بدءاً باختراع السينما نفسها – في ما يتصل بالكاميرات بمختلف أنواعِها وأحجامِها، العدسات بأنواعها، أجهزة الصوت، الإضاءة، شاشات العرض.. وغيرها من الاختراعات والابتكارات التي ساهمت، إلى حد بعيد، في تحوّلات الفن السينمائي من السينما الصامتة إلى الناطقة إلى الأفلام الملونة إلى السينما سكوب إلى كاميرا 16 ملي إلى الفيديو ديجيتال.
التحولات طالت طبيعة المشاهدة، إذ مع مرور الوقت، وبفضل الابتكارات التقنية، لم تعد المشاهدة مقتصرة على صالات السينما المتخصصة، بل في الأندية والبيوت وأماكن أخرى. صار بإمكان المتفرج أن يتحكم في مشاهدة الفيلم، ليس بالتسلسل الذي فرضه المخرج إنما وفق ذائقته ومزاجه، وبواسطة الريموت كونترول.
في الستينيات، مع توفر كاميرات 16 ملي، الخفيفة والأقل كلفةً نسبياً، شهدت الشاشات العالمية ظهور العشرات من المخرجين الجدد الذين حققوا أفلاماً متميزة. الأمر نفسه تكرر مع الفيديو. وقد لاحظنا أنه منذ الثمانينيات راح مخرجون كبار، مثل أنتونيوني وجودار، ينفذون أعمالَهم بكاميرا الفيديو والأجهزة الرقمية.
بعد سنوات، وجدنا مخرجين بارزين، مثل فون ترير، كيارستمي، سوكوروف، ديفيد لينش وآخرين، ينجزون أعمالهم بكاميرا الفيديو ديجيتال، موظفين أحدث ما أنتجته التكنولوجيا في مختلف مجالات السينما.
في تلك الفترة، توقع جودار بأن الفيديو سوف يتطور ويتحسن وينتشر بحيث سيكون بمقدور أي شخص أن يخلقَ فيلمه الخاص. (هذا يشبه ما أراده الشاعر لوتريامون في القرن التاسع عشر عندما دعا إلى أن يكون الشعرُ مكتوباً من قِبل الكل لا الفرد).
الآن، عندما صار من الممكن – بدرجاتٍ متفاوتة ومتباينة – أن يحققَ كلُ فردٍ فيلمَه الخاص، تنطلق صيحاتُ احتجاج واستنكار مرددة: هذا ليس فيلماً.. هذه ليست سينما.
وبدورنا نتساءل: لكن ما هو الفيلم؟ ما هي السينما؟
هل ستبقى السينما، في المستقبل القريب لا البعيد، كما نعرفها الآن؟ هل ستبقى مشاهدةُ الأفلام على حالِها كما نختبرها الآن؟ هل سيظل شريط السّليولويد مهيمناً، وماذا عن معامل التحميض والطبع، والمونتاج عبر المافيولا مع تزايد استخدام الكومبيوتر في المونتاج والمؤثرات البصرية.
عندما يلجأ الشباب، في الخليج كما في بقاع أخرى من العالم، إلى استخدام كاميرات الفيديو للتعبير عن ذواتِهم وواقعهم، عن مشاعرهم ومواقفهم، فلا يؤخذون بجدية، ويواجهون وافراً من صيحات الاستهجان والسخرية، تلك الصيحات المدافعة عن طهارة ونقاء الوسط السينمائي.. عندئذ يكون من حقنا أن نتساءل:
وما الضير في ذلك؟ هل تتشوّه سمعة وهيبة وبراءة السينما إن انتسبت هذه التجارب إليها؟ وماذا عن مئات الأفلام الرديئة التي تُنتج في مختلف أنحاء العالم بكاميرا 35 ملي، وبوسائط سينمائية احترافية؟ هل يفضي هذا إلى تلطيخ سمعة السينما؟ وبالمثل، هل وجود مئات القصائد العربية السيئة يؤثر في نظرتنا إلى الشعر؟ أيضاً لدينا آلاف من الصور الفوتوغرافية، كل واحد صار بإمكانه أن يكون مصوراً مع تطور الكاميرات واختراع الموبايل، مع ذلك هناك مسابقات ومعارض للصور، ولم يخشَ أحد على قدسية فن التصوير الفوتوغرافي. إذن لماذا وحدها السينما ينبغي أن تظل محصنة ضد أي اختراق يلوّث سمعتها؟
فيلم، فيديو، عرض.. سمّهِ ما شئت، هذا الذي تشاهده. هو مجرد عمل فني قدّمه شخصٌ يريد أن يقولَ شيئاً.. إذن لنصغي إليه ونرى ما يقدمه بتجرّد، وبلا تصورات مسبقة.. لنسلّم بحقه في التعبير بأية طريقة ووسيلة وتقنية.. سواء استخدم شريط السّليولويد أو قرص الفيديو.


المصدر

إرسال تعليق

هذا الخيار من الجوال بس . شوف لك خيار ثاني

ابدا الكتابة واضغط انتر للبحث