الجمعة، 3 سبتمبر 2010

PIANO - عندما يتحدث الصمت


ذهبت لتقديم هذا الفيلم، وهو درس بيانو أو بيانو لاعتبارات عدة، لعل في مقدمتها، انه الفيلم الذي منح اول امرأة جائزة السعفة الذهبية لمهرجان كان السينما الدولي وكان ذلك عام 1993، واتذكر جيدا، يوم عرض ذلك الفيلم في القاعة الكبرى في قصر المهرجانات بمدينة كان، وما انتهى الفيلم حتى صرخ عدد من النقاد دفعة واحدة «بالم دور»، اي السعفة الذهبية.

ويومها كان الى الجوار عدد من رفاق الدرب والمهنة واخص الرائع زياد الخزاعي (الشرق الاوسط) والمتميز عرفان رشيد (الحياة) والدؤوب محمد رضا (الحياة) والمخرج التونسي فريد بوغدير (عصفور السطح) والعبدالله، ومن النادر ان يحدث مثل ذلك الاتفاق.

بالاضافة الى القيمة الفنية والفكرية العالية المستوى، حتى استطاعت تلك القادمة من عوالم المسرح في نيوزيلندا ان «تنطق الصمت» عبر الشخصية المحورية التي جسدتها النجمة الاميركية هولي هنتر في تلك التحفة السينمائية.

وقبيل الفيلم، نعرج الى المخرجة جين كامبيون، تلك المبدعة التي حطت رحالها اولا في عالم المسرح ومنه الى الفنون التشكيلية ومن ثم السينما، حيث عمرت بخلفية صقلتها الايام والتجارب والبحث الدؤوب عن النصوص والشخصيات التي ابدعها صناع الادب الكبار، لترحل الى عوالمهم، تدهشنا بقراءتها للنصوص وحرفيتها في استنباط المعاني وتفعيل الدلالات ومنها قيم فكرية وابداعية أشمل وأبعد وأخصب.

في مسيرة تلك النيوزيلندية عدد هام من الاعمال ومنها «بورترية» و«النجمة الساطعة» وغيرها من التحف، التي راحت كل منها تؤكد حضورها، وبصمتها ولغتها السينمائية التي تذهب بعيدا في لغة التحليل.

ونذهب الى الفيلم

الذي تبدأ مشهدياته في العام 1850، مع وصول امرأة اسكتلندية (صامتة) ومعها ابنتها (فلورا) الى سواحل نيوزيلندا، وسط اجواء معتمة، ضبابية، مقرونة بصقيع البرودة في شتاء تلك المستعمرة البريطانية السابقة.

لا شيء يميز تلك المرأة سوى صمتها وابنتها، وايضا آلة (البيانو) التي حملتها معها كل تلك المسافات البعيدة، من اجل الوصول الى نيوزيلندا، حيث ستتزوج من رجل ثري نيوزيلندي هو (سيتوارت) ويجسده (الاسترالي سام نيل).

وهو (سيتوارت) من اصول انكليزية استوطن تلك الاراضي الجديدة، وتم ترتيب امور زواجهما المرتقب من خلال والده، بعد رحيل زوجها الموسيقي، الذي ترك لها ابنه (فلورا - تقدمها وبتميز كبير الممثلة الشابة آنا باكوين).

الزواج المرتقب

ومع وصولها يكون باستقبالها زوجها المرتقب (سيتوارت) ومعه كم من العالمين في املاكه ومصالحه من سكان نيوزيلندا الاصليين ويطلق عليهم (الماوريون)، ويرافقه في رحلة استقبالها جاره القاسي الملامح، ذو الاصول الماورية جورج (يقدم الشخصية النجم القدير هارفي كتيل) والذي يتميز بكمية الوشم الذي يغطي ملامحه وجسده، وهو يعود الى معتقدات اثنية ماورية (نسبته الى السكان الاصليين) ولكنه في الحين ذاته، يظل صامتا، الاماندر، عبر نظرات وتعابير تعطي اشارات ومواقف واضحة من هذا الموضوع وتلك القضية، خصوصا، حينما يعلن الزوج (ستيوارت) ان البيانو - ثقيل ولايمكن حمله كل تلك المسافات والمرتفعات لبلوغ منزله، ولهذا يود سيتوارت ان تمضي القافلة، بدون «البيانو» وهنا تحسن «آدا هولي هنتر» المرأة الصامته، انها فقدت قلبها، وايضا شيئاً من علاقتها مع الرجل الجديد في حياتها، وكان ذلك الموقف وذلك الاستقبال وترك اعز ما تملك، هو ايذان بما هو قادم من مواقف وايام ولحظات، خصوصا، وان البيانو يترك تحت المطر تضربه الريح والامواج، وكانت امام مؤشرات لما ستصل اليه حالة صاحبته، التي دخلت ومنذ طفولتها الاولى في مرحلة من الصمت بحثا عن امل، وحب، وحياة جديدة.

ولكن الايام تقود (آدا الى ديار الغربة، هنالك في اقصى الاراضي، بعيدا عن ارضها، ووطنها وحتى قارتها.

وحينما يأتي قرار الرحيل الذكوري الذي اقره (ستيوارت) وترك ذلك البيانو، يأتي رفض وصراخ (ادا) الصامت، والذي يتحول الى كلمات تكتبها تارة وتغنيها تارة اخرى ابنتها «فلورا».

ولكن حينما تأتي الاوامر، لا مجال الا لمزيد من الصمت والغرق داخل الذات، بل ان زوجها يذهب بعيدا، حينما يقوم ببيع ذلك البيانو الى جاره (جورج ذو الاصول الماورية) والذي يتحمل الكثير من اجل نقل ذلك البيانو لان جورج اكتشف تلك العلاقات التي تربط بين تلك السيدة الصامتة (آدا) وبين البيانو، بينما لم يفهم زوجها سيتوارت مثل ذلك الأمر.

وهنا تذهب «آدا» بعيداً في تعاملها مع زوجها، حيث القسوة المفرطة وايضاً عدم الاهتمام به، بعد قراره الجاهل والخالي من الاحاسيس لطبيعة العلاقة التي تربط زوجته الصامتة مع هذه الآلة التي تبعث الحياة والنغم.. والامل.

ويوم بعد اخر، تبدأ «آدا» بالذهاب الى جارها «جورج باينس» من اجل ان يأخذها الى البيانو لتعزف عليه، لانها لم تعرف اي معنى للحياة، وعبر الاشارة تارة وعبر الحس الجياش تارة اخرى، توصل «آدا» تلك الاحاسيس الى «جورج» الذي يحملها الى حلمها الضائع الى «البيانو».

وتبدأ العزف لتحلق في فضاءات النغم تعيش لحظة اللقاء مع آلة البيانو وكأنه الحبيب والعشيق والامل والحلم، في اللحظة ذاتها يسري النغم الى كيان ذلك الجار القاسي الملامح، الذي لم يعرف الحب.. والنغم.

وهنا يطلب منها ان تعطيه دروساً في العزف سرعان ما تتطور الى ابعاد ومضامين جديدة، حيث يعرف ذلك الجار مكانة «البيانو» عند جارته الصامتة، ليبدأ بتقديم عروضه الاغوائية الجنسية الملامح، فهو يريدها جسداً مقابل ان يعيد لها البيانو، وهي ترفض ذلك الامر وهنا يعيد بلورة مضامين جديد لطلبه الاساسي، وهو الجسد حيث يبدأ منحها في كل لقاء يتم بينهما احد المفاتيح الصوتية للبيانو، ونفهم ان كل اتصال جسدي يقابله احد المفاتيح فالى اي بعد والى اي تضحيات تذهب تلك المرأة الصامتة من اجل استعادة البيانو الذي تحبه والذي فرط به زوجها الجديد، ليلقي بها الى متاهات لعبة جديدة، تتنازل خلالها عن الجسد مقابل الامل، والجسد مقابل الحلم.. والجسد مقابل النغم.

ولكن ذلك الاتصال يتطور حيث نبدأ باكتشاف الاحاسيس الجميلة في نفس ذلك الجار، الذي يتجاوز لغة «الجسد» الى لغة الحس والانتظار والترقب، ويدخل الى عوالم تلك المرأة الصامتة، التي تسحره بصمتها وارادتها في الثبات والتضحية.

ومع تداعي المشهديات وتطور العلاقة يبدأ في المقابل غضب زوجها «ستيوارت» بالذات حينما يتفجر الشك بداخله، بل حينما يتأكد من ذلك الشك، وعندها يقوم بقطع احد اصابع زوجته «آدا» وفي واحد من اكثر المشاهد اثارة وقسوة وايضاً تحدي من قبل الزوجة وحينما لا يفلح ذلك العقاب يواصل قسوته، وهي لا تلتفت الى كل ذلك، لانها تعيش عوالمها الداخلية، من صوت ونغم.

وتصل الى المشاهد الاخيرة، حينما تحصل «آدا» على البيانو فتقرر ان تحمله معها الى البحر، وهناك تقوم بما يحقق حلمها الاكبر، حيث ترمي بذلك البيانو الى عرض البحر، ولكن بعد ان تكون قد ربطت قدمها به، ليسحبها الى قاع البحر، هناك حيث تبدأ بعض المفردات الهامسة، وكأنها تبكيه وتبكي نفسها وتاريخها واحلامها الماضية، وحينما نعلم بانه استقر في قاع البحر وبلا رجعة، تبدأ بفك الرباط عن قدمها، لتنطلق صعوداً الى حياة جديدة، مع ابنتها فلورا وصديقها «جورج» الذي جعلته يحب الحياة والنغم، ويحبها كما احب صمتها وعوالمها التي يفهمها زوجها السابق.

سينما ذات ملامح خاصة وسينما ذات اجواء خاصة وسينما ذات فكر خاص.

أداء رفيع

واداء رفيع المستوى، للنجمة هولي هنتر وهي تتقمص شخصية «آدا» الصامتة وعن هذا الدور فازت بالاوسكار، كما هو شأن الطفلة «فلورا - آنا باكوين» والتي فازت هي الاخرى باوسكار افضل ممثلة مساعدة.

ورغم قسوة الشخصية التي قدمها سام نيل «الزوج» الا ان حضوره كان ايجابياً في تقمص تلك الشخصية القاسية، والتي تأتي ضمن السياق العام للاحداث والشخصيات المحددة والتي تحمل كل منها دلالات ومعاني كبيرة وكثيرة.

سيناريو بواقع وحرفية اخراجية عالية المستوى تصدت لها النيوزلندية المقتدرة «جين كامبيون» حيث استطاعت ان تؤمن لهذه التجربة السينمائية كم من المعطيات التي تضافرت لتصنع تحفة.

تحفة كل المبدعين الذين شاركوا بها، اضافوا بصمات كبيرة لها، ومنهم الموسيقار «مايكل نيمان» الذي صاغ معالجة موسيقية ظل البيانو محورها الاساسي.

وبعيداً عن الاطالة

نخلص...

فيلم «بيانو» حيث ينطق الصمت.

إرسال تعليق

هذا الخيار من الجوال بس . شوف لك خيار ثاني

ابدا الكتابة واضغط انتر للبحث