الأربعاء، 8 سبتمبر 2010

Mystic River 2003 هل من لحظة سعيدة !

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
شاهدت هذا الفيلم بدايةً قبل خمسة مواسم , فأعدت مشاهدته قبل خمسة أشهر وظهر لي فيلم آخر أجمل من الذي قبله , حينها فكرت في الكتابة
عنه , فأخذني الوقت , لأستدرك ذلك قبل خمسة أيام وأعيد مشاهدته , أيضاً ظهر لي فيلم آخر أجمل من الفلمان اللذان شاهدتهما من قبل.

كثيراً من الأعمال تابعت , وكثيراً من الأعمال علقت برأسي , وكثيراً من الأعمال وقفت عندها كثيراً متأملاً لما رأته عيناي من إبداع وإذهال , فترات أحسست بها أن السينما ملجأ وملاذ لي ولغيري من متتبعي الفن السابع , لا يفتك أي مشاهد للسينما من ذكر لحظات وومضات علقت برأسه طويلاً , جلس ساعات وربما أيام يتأمل بهذا المشهد , الابتكار السينمائي ليس ما نعتقده حول شئ مبتكر جديد لم نرَ مثله من قبل , بل الابتكار وبصورته الصحيحة أن يصل لعقلك وحواسك وفكرك بعيداً عن كون الفكرة مستهلكة أو مطروقة سلفاً , لأن النجاح هو نجاح الفترة وما يعطي رونق العمل هو الإضافة الحقيقية للسينما ومدى تأثيرها على المتتبع , ولا جدل أن اللحظات كُثر والومضات كُثر , يبقى الكثير منها ويذهب الكثير منها والقليل فقط هو ما يلتصق بذهنك فتجد لحضات لا علاقة لها بالسينما إلا أنها غصباً دخلت لمخيلتك ولم تخرج , بالغالب لا تهمني رؤية الشخص لفيلم معين ككل بقدر الاهتمام باللحظات التي في دواخيل هذا الفيلم , أفلام ارتكزت عليها السينما , هذه الأفلام ارتكزت على مشاهد محددة , ولربما مشهد واحد يكفي لأن يجعل الفيلم بالقمة , وربما مشهد واحد يجعل الفيلم بالقاع ! عند هذه اللحضة وقفت متأمل لكتّاب ومخرجين لم أجد التعبير المناسب لوصفهم بمشاهد لا أعلم كيف أتت أو كيف تم صنعها عدا أنني اكتفي بالقول أنني منذهل , وربما مندهش إندهاش الأرعن من نجاح لا يتوقعه , بعض من المشاهد , لا أفتك أتخيل وضع الكاتب وهو يكتب هذه اللحضة , كيف كتبها , وما هو الإلهام الذي جعله يكتب مثل هذه المشاهد , وكيف للسيناريست أن يجعل من هذه القصص والروايات مشاهد حقيقية لشخوص تمشي وتتحرك بطريقة مذهلة وبشاعرية صادقة مع التلقي , مشاهد من كل عمل رسخت بذهنك وبها أحسست بالسينما بصورتها الحقيقية , فما بالكم بفيلم أعتبره مشهد واحد منذ بدايته حتى نهايته , أتحدث هنا عن فيلم (النهر الغامض) الذي يعتبر درس سهل وبسيط من الأسطورة التمثيلية والإخراجية كلينت أستوود.
إذا كنا نتحدث هنا عن كلينت أستوود , فأنا أعتقد بل أجزم كل الجزم أنه أكثر رجل هوليودي أعطى السينما , لتعطيه طبعاً , كمخرج كان أو كممثل , كلا الأمرين أجادهما هذا العجوز والشواهد كثر , حتى إذا اجتمع الأمران أجادهما معاً , كممثل ومخرج بفيلم واحد في آنٍ واحد , ولنا عبره في (فتاة المليون دولار) أو بفيلم (لا يغتفر) أو بفيلم (غران تونيرو) والشواهد هنا كُثر لا يمكن إحصائها أو عدها , أما كمخرج فقط دونما ممثل , فأيضاً الشواهد عديدة ابتداءً من فيلمنا هذا (النهر الغامض) توسطاً بفيلمه الرائع (رسائل من يوجيما) وفيلم (الإستبدال) الذي أرجع به أنجلينا جولي بعد التخبط الاختياري في الأدوار الآكشنية المملة , إذن وبدايةً فيلم النهر الغامض إعتمد على مخرج فذ له صيته السينمائي وله شهرته الواسعة , والأهم من ذلك هي الخبرة الطويلة العريضة التي يحملها هذا العجوز في المجال السينمائي كمخرج وممثل , ولا أفتك ذكره كممثل رغم أنه لم يكن له دور تمثيلي في الفيلم , إلا انها تعتبر ميزة فريدة للمخرج أن يكون ممثلاً لدرايته العميقة في نفوس وعقليات الطاقم التمثيلي معه , وإن كان كلينت أستوود يعتمد مؤخراً في أفلامه على النهايات الدرامية الحزينة جداً كمَخرَج له لبعض ثغرات الأعمال كما حدث سابقاً بفيلم (لايغتفر) والإيقاع الريتمي البطئ في مجرياته , فالنهاية الدرامية الصاعقة مسحت كل هذه الثغرات , ومثلها فيلم (فتاة المليون دولار) مع النهاية الحزينة الصعبة على المشاهد لما بها رؤية إنسانية عميقة تخالف فطرة الإنسان السليمة كمواجهه صعبة على المشاهد بين خيار القتل وخيار الإبقاء على حياةٌ مقتولة !! أما فيلم (غران تونيرو) وذلك الرجل العجوز والجندي السابق والذي حدثت له أمور صعبة في حياته , طرق مستهلك , كسر الحاجز هذا العجوز بموته الإنساني الصعب في نهاية الفيلم كمشهد حصد الأغلبية وغطى عن الثغرات الموجودة بالفيلم , طبعاً لا أشكك في قدرته كمخرج ولا مجال لي بذلك , لكنها مقارنة سهلة بين آخر أعماله السينمائية مع فيلم (النهر الغامض) الذي كسر هذا الحاجز بفيلم أشبه بعصارة إبداع وخبرة سينمائية من هذا المخرج العجوز من أول مشهد لآخر مشهد , ولا داعي لذكر كثرة الجوائز الأوسكارية لهذا المخرج لأن لا أحد يجهلها طبعاً.
النهر الغامض مقتبس من رواية شهيرة ناجحه كتبها (دينيس ليهان) وكتب منها السيناريو (برايان هيلجلاند) الذي ترشح لهذا الفيلم للأوسكار , له أيضاً ككاتب (رجل في النار) و(المنطقة الخضراء) و(روبن هود) الأخير , كما أنه ترشح سالفاً لفيلم رائع آخر وهو (سرية لوس آنجليس) وكلا العملان كتبهما هيلجلاند تحت صنف الجريمة إلا أن هذا الأخير يتحدث عن الجريمة نفسها وما تحدثها في الآن واللحظة , بينما الفيلم الأول يتحدث عن ما قبل الجريمة وما تحدثه من تبعات نفسية عميقة خلفتها هذه الجريمة , أما بطولة الفيلم (النهر الغامض) فهي لعدة نجوم لهم الباع الطويل في السينما يتقدمهم (شون بين) الرائع إحساساً وصدقاً عندما تراه خلف الشاشة , وكما قلتها سابقاً عندما نتحدث عن شون بين فنحن أمام ممثل يجيد كيف يمثل بالأحاسيس والعواطف الجياشة التي ينثرها إبداعاً في جميع أعماله , لذلك لم يكن فيلم (النهر الغامض) هو بداية نجاح هذا الممثل بل كانت له أعمال سابقة تستحق الذكر ورفع القبعة له كفيلم (رجل ميت يسير) ومن خلال عنوان الفيلم تتضح لك الرؤية مبدئياً عن رجل في يلفظ لحظاته الأخيره بالحياة بأسلوب شاعرين يدخل القلب والإحساس قبل أن تراه العين , حتى فيلمه (أنا سام) لا يقل روعة وإبداع عن العملين السالف ذكرهما , أنا سام والدور الصعب والإعجازي وتضارب المشاعر والأحاسيس والنظرة الفلسفية حول المرض والحب ومشاعر الأب تجاه أبنائه مهما كان الزمان والمكان ومها كانت الظروف والصعاب , يبقى الأب هو الأب بمشاعر الحب والصدق , في فيلم (النهر الغامض) شارك البطولة شون بين (تيم روبينز) الذي كان له تعاون مع شون بين سلفاً بفيلم (رجل ميت يسير) الذي كان من إخراج تيم وبطولة شون كتعاون سابق يضفي تجانس ممتاز بين هذين النجمين , شاركهما بطولة الفيلم (كيفين بيكون) و (مارسيا هاردن) التي فازت بالأوسكار سابقاً عن دورها بفيلم (بونوك) , إذن نحن أمام نخبة من النجوم لطاقم العمل ككل , من مخرج , وكاتب , وسيناريست , وطاقم تمثيلي.
يبدأ فيلم النهر الغامض حول ثلاثة أطفال يلعبون لعبة الهوكي في أحد الشوارع الصغيرة داخل الحي الذي يسكنوه , ثلاثة أطفال يحذوهم الأمل بحياة قادمة مفعمة بالحيوية والنشاط كحق صغير من حقوق الإنسان الذي فُطر به منذ أن يبدأ مولوداً حتى يشيخ فيموت , هؤلاء الثلاثة أطفال (جيمي) و (ديف) و (شين) وبعد الإنتهاء من اللاعب وجدوا أرضية الرصيف لزجة فأتت الفكرة بأن كل فرد منهم يضع أسمه فيه ليكونوا أصدقاء للأبد , بدأ أولاً جيمي بكتابة أسمه ثم تلاه شين , وأخيراً وعندما بدأ ديف بكتابة أسمه ولم يمضي إلا الحرف الأول ظهر لهم شخص ترجل من سيارته ومعه رجل آخر بتحذيرهم من تخريب ملكية البلدية العامة , ديف لم يكمل أسمه على الرصيف وقاطعه هذا الرجل كناية عن توقع حياته هنا و لتأتي حسرة العمر , الإنسان ربما يشيخر ويكبر وربما يصل لسن المئة سنة , في هذه المئة سنة من المؤكد وصول حياته لمليارات الدقائق , ودقيقة من هذه المليارات بدورها ان تغير على حياة الإنسان كلها , يوم واحد يجعل من حياة الإنسان تعاسة , لحظة بسيطة تجعل المرء يعيش في كئابة وحزن , لأن الحياة دقات ثواني مترابطة ومتماكسة وكل حلقة تربط الأخرى , لا مفر من كل دقيقة يعشها الإنسان وبدورها أن تغير من سلوكه , فما بالكم بديف وهو في عنفوان طفولته رقيق المشاعر وسهل التشكيل وسريع التأثر , قارباً من سن المراهقة , يتعرض للإغتصاب عمداً عبر من قال له أننا نحن أصحاب السيطرة على أمن هذا البلد , هذه الوقعة كان بدورها أن تغير من حياة ثلاثة أشخاص , كان بدورها أن يجعل الحياة مقلوبة معكوسة بغير ما أراد الوالدين لأطفالهم , وبغير ما أراد ديف من رسم مستقبلي لحياته عامة , ساعة , وربما ساعتين , كان لها الدور الأكبر بجعل حياة ديف كلها تعيسة , لحظات لا تفتك تذهب من رأسة , لا تفتك تذهب من مخيلته , حينها علم أن حياته خلف قضبان التفكير , ووراء هم التعاسة , لتبدأ بعدها محصلة هذه الجريمة البشعة وتبعاتها وما الأثر الكبير التي خلفتها هذه الجريمة.
حينها وبعد ثلاثون سنة ولازالت الحياة تدب في الحي الجريح الحزين , حول الثلاثة أصدقاء ديف وجيمي وشون , وكل أخذ بعاتقه حياته الخاصة وحياته المستقلة , ليكون ديف (تيم روبنز) رجل هادئ الطباع , حسن النفس , لكن لا يمكن له أن يغفل ما حدث معه سلفاً قبل ثلاثون عاماً ليظهر ذلك بوجهه وبعلاقته مع زوجته التي تعتقد أنها تفهمه فهماً عميقاً وهي بالحقيقة لا تفهم شيئ عنه ولا يمكن أصلاً لأحد أن يفهم عليه , لان ما حدث له ليس بالأمر السهل أن يصل أي شخص لدواخل مشاعره المقتولة نفسياً ومعنوياً , أما جيمي (شون بين) وتذكروا أنه الفتى الشقي المجازف في الصغر وهو الذي أقترح فكرة كتابة الأسماء على الرصيف وهو أيضاً الذي أقترح فكرة سرقة السيارة قبل حادثة الاغتصاب , هذا عندما كان طفلاً أما بعد ثلاثون سنة فقد ظهر ذلك الرجل التقليدي , الجاد شكلاً العطوف الحنون مضموناً , محاولاً أن يظهر أمام الناس بالرجل الصامد الملم بزمام أموره وأمور عائلته , متزوج , ويعيش حياة زوجية ممتازة مع زوجته , يدير محل يُغطي به نفقاته الإلزامية , الأهم من ذلك كله , هو عشقه لأبنته الوحيدة مع زوجته السابقة , ابنته المراهقة في مقتبل العمر نحو حياة مفعمة بالأمل , الأب يرسم لابنته طرق جميلة يتخيلها بأحاسيسه , من حبه لها لا يثق بمن حولها , لا يثق بأصدقائها , لا يثق بذلك الشاب اللطيف الذي يعشقها , لأنه هو الذي يعشقها , هي ابنته وكفى , نصل أخيراً إلى الرجل والصديق الثالث شون (كيفين بيكون) الذي أخذ على عاتقة تحقيق العدالة كمحقق جرائم في سلك الشرطة , وظيفة محترمة نبيلة تسعى إلى وضع كل شئ في نصابه الصحيح , المخطئ مخطئ والسديد سديد , هذه الوظيفة الممتازة لا تمنعه من المشاكل الزوجية عندما يبتعد الحبيب ولا يُجيب. مشاغل الحياة لم تفرقهم من بعض كأصدقاء , نعم ربما لا يلتقون , ولا يتبادلون أطراف الحديث معاً لكنهم لم يتفرقوا في مشاعرهم وأحاسيسهم الداخلية.
حينها يبدأ الثلاثي في حياتهم ما بعد حادثة الاعتداء , ديف يمشي ومعه ابنه الصغير ويحاول أن يُظهر له إنجازاته وبعض من ملامحه عندما كان شابً , ليجد نفسه أمام ذلك الشارع المشئوم , يحدث ابنه نحن كنا نلعب هنا كثيراً في هذا الشارع ولو نظرت لهذه البالوعة لوجدت مئات الكرات المنزلقة في داخله , ديف كان يشرح لابنه تلك الحياة , ومع شرحه نظر للرصيف الذي لم يكمل اسمه به , لتظهر ملامح الكئابة والحزن , يخفيها عن ابنته , لكنه لا يستطيع أبداً أن يخفيها عن نفسه وذاته لتبقى لصيقة له في حياته كلها , بينما هذا يحدث لديف فإن جيمي في المكان القريب وبمحاله تظهر له ابنته لتخبره أنها ستخرج مع صديقاتها , جيمي يحاول أن يكون لطوف حنون مع ابنته بكلماته الجميلة وبوجهه البشوش ليودع ابنته مع تحذيرها لها بالرجوع باكراً , تودعه حينها ويرد الوداع يحدث ذلك لعدة مرات , وكأنهم يعلمون أنه آخر لقاء لهم. بينما الصديق الثالث المحقق منغمس في عمله كمحقق لكنه وبمساحة كبيرة ينظر للحي القديم ويتذكر تلك المشاهد التي لا ينساها حول نفسه وأصدقاءه القدامى , في هذه النقطة تبدأ المشاعر تتدفق كالنهر الجاري الغير منقطع , ديف يأتي بآخر الليل ويداه ملطختان بالدماء , يدخل للبيت وبمعونة من زوجته تنظف بقايا الدماء وتهدئ من روعه ليشرح لها قصة تبدو غير مقنعة بتاتاً عن متشرد هدده بسكين فضربة على رأسه , آداء زوجته في هذا المشهد مثالي جداً , فقد كانت تلك الزوجة المحبة لزوجها , لا يهما القصة بقدر اهتمامها بما يشعر به الزوج في اللحظة والآن لتضمه ضمه عميقة كمشهد يعبر عن بداية ليست ببداية حول مشكلة عويصة سيعانيها الزوجان بعيداً عن الشكل السطحي لحادثة هذا المتسول , كلينت أستوود هنا يخبرنا أن المشاعر تتراكم لينفجر الإنسان بقدر لا يتحمله بصورة هادئة جداً وعلى قدر هذا الهدوء هناك حزن وألم , لا معنى لكلمة السعادة , بنفس هذه اللحظة المهمة , هناك جريمة بشعة لفتاة جيمي يكون ديف هو المتهم الأول لرؤيته لهذه الفتاة في ليلة الجريمة ومع قصة المتشرد تبدو للزوجة أشبه بأضحوكة وتصريفه لجريمة بشعاء نفّس بها ديف عن غضبه الكبير حول هذه الحياة.
كل هذا الحديث أعلاه , لم كين لوحده كفيل بالدخول في الصراعات النفسية لهؤلاء سكان الشارع المشئوم , كلينت أستوود تفنن في عملية الدخول إلى المشكلة , وبطبيعة الحال , المشكلة بدأت منذ تلك الأيام الأولى في حالة الاعتداء التي حدثت للطفل ديف , وأصدقاءه وهم معه , يشعرون بصعوبة الموقف , وبجلل المشكلة , حينها بدأ الدخول العميق بصراع حزين لدى جيمي الذي فقد ابنته لعده ساعات جعلت منه مرتبك كبير ليبحث عنها , وكما يُقال الآباء يشعرون بالمصيبة لأبنائهم , وعند سماع جيمي لصفارات الإسعاف والشرطة التي تتجول في في الحي نفسه وبالقرب من هذا النهر الغامض شعر بالمصيبة القادمة , أكدها وجود سيارة ابنته بموقع الجريمة الذي حوطه رجال الشرطة بصرامة موقفهم , يبدأ جيمي بالشعور المتناقض , يحاول أن يتماسك أن يبقى صلباً صامداً أمام الجماعات , أمام المسرح المكتظ برجالات الشرطة , بعد برهة من الأخذ والرد ينفجر صبر جيمي ليأتي المشهد الأجمل في الألفية الجديدة شعوراً وإحساساً لممثل أجاد كيفية التعامل مع ما أمامه ببضع دقائق بل ثواني حولها من ممثل يؤدي مشهد , إلى رجل حقيقي أحس بالمشهد , وبالدور الذي أتكل عليه , ليصرخ صرخات كأنها تجسد ألم أمة بأكملها (هل هذه أبنتي هناك , شون انظر لعيني , هل هذه ابنتي هناك) حالة هستيرية دخل بها جيمي , ايضاً نحن كمشاهدين دخلنا معه بأجواء المشهد الذي يعبّر به كلينت أستوود عن مجريات الفيلم قبل هذه الحادثة وما بعد الحادثة , في الجانب المقابل تبدأ شكوك زوجة ديف حول زوجها اللاهي باللعب مع ابنه وكأن شئ لم يحدث , هذا المشهد جمع عدة صراعات نفسية مع فقدان جيمي لأبنته والمشهد الهستيري , ثم شون الشرطي وتعاطفه مع الجلل الذي أصاب صديقه , ومع زوجة ديف التي دخلت في معمعة الشك والريبة من زوجه , وقصته التي لا تبدوا منطقية أبداً حول ضربه لرجل متشرد ! لم تذكر عنه شئ الصحافة التي ظلت تتابعها لعل زوجها يكون الصادق وإحساسها يكون الكاذب , بينما ديف يبقى الأول الذي تشرب الهم والغم والحزن من تلك الحادثة.
بعد حادثة القتل , وبعد أن تعرف جيمي على ابنته في مشرحة الموتى , لم يكترث كلينت أستوود في مشاهد تقليدية كلاسيكية عن الحزن الممل , البكاء وتساقط الدموع , بل اكتفى بحقيقة مشاهد العيون وما تخلفه من ألم وحزن لا يظهر إلا بالمشاعر والأحاسيس بعيداً عن كلاسيكيات النباح ولطم الخدود وشق الجيوب ! ما يؤكد هذا مشهد محادثة جيمي مع ديف في مكان العزاء وعلى شرفة المنزل المطلة على هذا الحي الكئيب ليبوح جيمي بجلل ما أصابه من مقتل ابنته التي لم تتعدى سن التاسعة عشر سنة ! جيمي متحدثاً لديف (لقد بدأت بمضايقتي ديف , حتى أنني لا أستطيع أن أبكيها) فيخبره ديف , أنت تبكي الآن , هذا المشهد يعبر عن معاناة جيمي حول حزنه لمصاب ابنته , حتى أنه يشعر بتقصيره لحزنه لها وهذا ثابت في علم النفس , فهناك من يبكي ويبكي باعتقاده أنه سوف يظهر بشكل أفضل أمام من فقده ليرضي نفسه , بل أنه هناك من انتحر ليعبر عن جام حزنه وألمه , أستوود أراد من شخوصه أن تغوص في الأعماق لتُظهر الألم بصورة أخرى مغايره لما نراه بالعادة , فالسينما هي سينما , الحزين يبكي ويتألم , والسعيد يضحك ويسعد بأيامه , المشاعر استخدمها أستوود بطريقة أكثر واقعية حتى تشعر بحقيقة ما تشاهد وبواقعية الألم , بل وإنك تشرب تلك الرهبة عند مشاهدتك للفيلم ! المحقق شون وفي صلب القضية التي أرقت عدة أطراف يسترجع ذكريات الماضي الأليمة ويستعرض صور لا يريد أن يراها في ظل ابتعاد زوجته عنه محاولاً أن يعيدها إليه فمن أين يأخذها هذا المحقق الذي أبتلي أيضاً بزميلة المحقق الآخر الذي لا يكترث للصداقة ولا يتخلى عن أدق التفاصيل المملة. سيناريو العمل في كشف خبايا وأسرار القضية جاء على شكل حواري حزين , جيمي لم يكترث بدرجة كبيرة لقتل مرتكب الجريمة على ابنته بقدر اهتمامه بمعرفة من قتل ابنته , فقط ليعلم من هو , أصبحت الأمور أقرب له الآن بعد معاناة زوجة ديف والشك المستمر لزوجها الذي يبدو مرتبكاً غير منطقي في تصرفاته وحركاته وحتى كلامه , لتخبر سيليت جيمي أن زوجها هو أقرب شخص لمن فعل تلك الجريمة.
في حالة جيمي المتعسرة , ستكون أية إشارة أو مغزى لمقتل ابنته هي تأكيد وبرهان , فمعرفة القاتل ستزيح شئ من عاهله المتكسر , لكنها طبعاً لن تخفف من الألم المتراكم , لذلك يتم إغواء ديف ليتم حشرة بجانب ذلك النهر الغامض , جيمي كان يعلم أنه سيقتل صديقه لا محالة , لكنه يريده أن يعترف وبصوت عالٍ بأنه هو من قتل ابنته , فقط قلها بصوت عالي أنا من قتل ابنتك , لا يهم حلمك , فهو لك في هذا الوقت , ما هيمني فقط هو أن ترفع صوتك بما تستطيع وتنطقها أنا من قتل ابنتك , مشهد أراد به استوود أن يجعل المتلقي أمام صراعات مستعصية , من يبحث عن قاتل ابنته , ومن يرى نفسه قد مات قبل ثلاثون سنة , ومن يرى العالم من حوله ينهار , لا يكاد أن يلم ببعض الأمور ليبقيها خفية في دواخله الوجدانية , حينها أخذ هذا النهر الغامض جثة ديف غير مكترث لما سيحصل مستقبلاً , المضحك قليلاً المبكي كثيراً هو من قتل الفتاة , ثلة أطفال أحدهم أراد هذه الفتاة أن تبتعد عن أخيه الذي يحبه لدرجة أنه يغار عليه من فتاته العشيقة !! في ظل موت ديف ومعرفة زوجته بأنه أقرب ليكون مع جيمي , يذهب المحقق ليخبر جيمي عن قتله ابنته وأنهم أطفال , لتظهر مشاعر جيمي الحزينة والغير مستغربة , المحقق يسأل جيمي ألم ترى ديف , فيجيب جيمي واقفاً آخر مرة شاهدت فيها ديف كان هنا عندما ذهب بواسطة هذه السيارة قبل ثلاثون سنة من الآن , وكأن جيمي يريد أن يخبر المحقق أن قتلي لديف ليس مهماً فهو من مات قبل ثلاثون سنة , وربما أنا من أزاح هذا الهم منه , المحقق شون لم يستغرب من ذلك بل وأردف قائلاً أحياناً أعتقد أن ثلاثتنا من ركب السيارة لا ديف لوحدة. ركوب ديف بتلك السيارة كان زرعاً وحصداً له , بينما كان لديف وبدرجة أقل شون حصداً , تم حصده بعد ثلاثون سنة ليكون المشهد ما قبل الأخير عبارة عن عصارة ما سبق أن حدث في مشهد المركب وملامح الحزن والألم والحسرة لزوجة ديف التي تحاول أن تنادي أبنها بنبرة الصوت المعتادة لها ولهذا الشارع أجمع , بالمقابل المحقق شون يكترث لها بتلك النظرة العطوفة المشفقة لهذه الزوجة التي وقعت بين نار ٍ ونار ! ليظهر أخيراً مشهد ختامي حول الرجوع لأول ما بدأت به القصة وانتهت عنده وأسماء الثلاثة في رصيف الشارع ليبقى أسم ديف لم يكتمل بعد , ولن يكتمل أبداً وكأنه ارتمى في ذلك النهر الغامض التي قربت منه الصورة في آخر مشهد ليظهر بعدها ذلك السواد الداكن لينتهي الفيلم , ولم تنتهي المشاعر التي أخذناها ما بعد الفيلم.
كلينت أستوود أخذها معالجة لما بعد المعالجة , وطرح لما بعد الطرح , ليُخرج لنا فيلم عبارة عن كتله واحدة طوبها أعين حزينة , كما أنه أستطاع أن يوظف كل شخصية باقتدار ليعطي المشاعر موزعة على قدر من يستحقها , فمن النادر أن تُشاهد طاقم كبير وشخصيات كُثر خرجوا بأجمل حلة وبنفس القوة مع الاختلاف الطبيعي بين قدرات كل ممثل. لن أتحدث عن الجوائز والترشيحات لأن الفيلم أصلاً دخل في قلب المتابع بل ووصل لشاعريته الباطنية ولا يحتاج إلى بعض الخشب والحديد ليثبت جدارته ونجاحه الباهر المنقطع النظير , وهذا ما أراده أستوود أولاً كمخرج وشون بين وتيم روبينز وكيفين بيكون وبقية الطاقم هو الوصل لفيلم يجعل المشاهد يسبح في فضاء إبداعي لا يمكن أن تستشعرها إلا في مشاهد ثانية وثالثة , وربما رابعة , فطرح عدة قضايا تحاكي الصراعات النفسية والدواخل الوجدانية في عدة أزمنة مختلفة وأماكن متفرقة وربطها ببعضها لتعود لشئ ثابت (ليلة الاغتصاب) يدل على قدرة رهيبة ونضج كامل لدى هذا العجوز الذي شرب من السينما بحرٌ كامل , سيناريو العمل اعتمد على الفلاش باك بطريقة معنوية غير مباشرة فالأمور تتفاقم وتزيد قبل وقوعها , فالقادم يتم معالجته بما سبق والسابق يعود مجدداً لما سيحدث , لخبطة مشاعر وتداخل قضايا كلها تصب في النهر الغامض , حداثة الطرح لم تلغي كلاسيكية التصوير المحببة في الإضاءة الخافتة والصورة القريبة الجانبية , والحوارات المتينة المطولة , والموسيقى التي تسبح مع عبق الصورة وعتق الإضاءة , إن كنت عزيزي قد شاهدت الفيلم واستمتعت به , فتأكد أن هذا الاستمتاع سيزيد عند المشاهدة الثانية أضعافٌ مضاعفة , وإن كنت لم تشاهد الفيلم بعد , فأنت قد فوت تحفة تأريخية لا تُنسى أبداً.
منقول عن أخي الغالي ابراهيم Cinema Man السينما العالمية

إرسال تعليق

هذا الخيار من الجوال بس . شوف لك خيار ثاني

ابدا الكتابة واضغط انتر للبحث