السبت، 11 سبتمبر 2010

The Machinist - 2004 | أريــد فــقــط أن أنـــــــام !!

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
,, التشبث والاستمرارية يتطلبان خوض صراعات !! ،،



...

- شخص ما سيقوم بأخد أقوالك.
- فيما بعد، الآن اريد فقط أن أنام.

...

من أصعب الأدوار السينمائية هي التي تدور حول المرضى النفسيين أو المعاقين ذهنيا سواء عانوا من أمراض كالتوحد وازدواجية الشخصية، أو نتيجة لصراع نفسي داخلي يسببه تأنيب الضمير بشكل فطري وغريزي. وقد تستمر بصاحبها حتى الهلاك أو فقدان العقل، وذلك قد يكون عبر مراحل، وهذا ما نبحث عنه هنا. الأرق الهلوسة ضعف شهية الأكل والعصبية الزائدة عن حدها كل هذه عوامل قد تكون نتيجة بشكل مباشر لصراع تأنيب الضمير. وتؤدي لبروز سلوكيات وانطباعات غريبة تسيطر على تصرفات من يعاني من هذا الصراع. والتي يلجئ صاحبها للتقرب من الجنس الآخر إما للفضفضة بما يشغله أو محاولة لخلق جو آخر وحياة جديدة ظناً منه أنه سيتخلص من جانبه المظلم.
قدم براد أندرسون لوحة نفسية صافية من شوائب ونمطية العقد الماضي، بداخل اللوحة الفنية يستند الفتى الميكانيكي على إطار الحلم بحياة سعيدة وأمل الهناء بسويعات من النوم. طلبات بسيطة يحاصرها ماضي أسود كبر مع كبر هذه الأحلام. لجأ هنا أندرسون لاستعمال قالب جاهز وملأه بشتى أنواع القسوة الإجتماعية بملامح رجل أكل الدهر من حياته الكثير، كريستيان بيل في دور الميكانيكي المكسور الشخصية استفاد من دروس أذكياء سبقوه للثيمة، استفاد من هلوسة جون ناتش ( العقل الجميل ) وسلوكيات داي لويس ( قدمي اليسرى ) وخوف ستيوارت ( الدوار ) وكبرياء دايمن ( ويل هانتين ) مكوناً نظرة خاصة به، ملائمة لنص كوزار، مقبولة من زوايا براد أندرسون، وتتحرك لها أيدي المشاهدين.
كريستيان بيل الذي كلفه دور الفتى الميكانيكي الكثير من المعاناة للحصول على أهم عنصر بشخصية ريزنيك ألا وهو الجسد النحيل وتقسيمات الوجه المعبرة على مدى قسوة المجتمع حوله، استطاع فرض وجوده هنا وجلب الأنظار لهذا التلميذ النجيب الصاعد، وهو يرسم خطى ثابتة ليسلكها كما فعل أساتذته القدامى. أدوار مشابهة قد تُحدث نقلة مهمة في مسار الممثل داخل هوليود خاصةً وخارجها عامة. وكانفتاح سينمائي بأدوار تذكر لسنين طويلة كباتريك ( أمريكا بسيكو ) أو الرجل الوطواط ( ساحر الظلام ) أو حتى جيم غراهام ( إمبراطورية الشمس ) ثم دوره بالميكانيكي، فنحن هنا أمام موهبة فطرية طورت نفسها بشكل غريزي عبر مراحل، ثم أحسنت اختيار أدوار بعناية فننتظر منه بالتالي الكثير في مرحلة أوجه.
حنكة أندرسون الإخراجية كانت حاضرة وبقوة حتى مع بداية الفلم بحركة ذكية على شكل فلاش باك مثالي، أضاف طبقة من الشوكولاه على كعكة كوزار الفريدة. فقدمت افتتاحية قوية تدل على غموض البقية الطويلة، فتشكل بذلك حلقة دائرية بنهاية الفلم. وهي حركة اثقنها أساتذة قبله فنلمسها بافتتاحية ستيفن سبيلبرغ في ( انقاد الجندي ريان ) أو افتتاحية العبقري جي جيو كينغ في ( تاي جيك كي ) أو ( الأخوة بالحرب ). بنظرات غير مصطنعة يبدأ كريستيان بيل بادخال شكوك ولبس حول شخصيته بحد ذاته بحركات مبهمة تدل على عمق الشخصية التي تقف أمامنا، وبريتم معتاد يبدأ بالعمل ثم المنزل يبدأ تريفور رحلته الطبيعية التي لم يُشَرْ إليها كثيراً بالعمل، حتى أحد الأيام الذي كان نقطة تحول مصير إنسان، فعان منها تريفور مدة طويلة، ثم نحثث جسمه وحطمت نفسيته فغذى يطلب أبسط حقوقه وغير متمكن منها حتى !
محاولة منه الهروب من عقدة تأنيب الضمير حاول السيد تريفور خلق جو خاص به قد ينسيه مرارة وضعه الحالي وذلك بالتردد على منزل أحد الصديقات، التي يبدو أنها الوحيدة التي قبلت حماقات وتجاوزات تريفور المتواصلة. وذهاباً لأبعد من ذلك ومحاولة منه للخروج من تقوقعه يحاول الفتي الميكانيكي خلق جو أسري من جديد بالتقرب من نادلة واصطحاب ابنها للملاهي عسى أن يستطيع نسيان أو حتى لدقائق فقط ما ينتظره ثانية بعد أن تذهب صديقته الجديدة لحالها. فيزداد الشعور بتأنيب الضمير عندمى يتخطى ذلك الخصوصية لينتقل للعامية عند حدوث خطئ جسيم بالعمل، يفقد على أثرها رب أسرة عمله وأحد اطرافه ويتقبلها يصدر رحب، الأمر الذي دفع بتريفور بتكوين دعامات جديدة لمرضه الداخلي بعد تغير نظرة أصدقائه له.

تتفاقم الأوضاع لكن بسلاسة متدرجة لتصل حالة هلوسة تريفوي أقصاها عندما يتخطى الحلول القريبة ليجد نفسه وسط معمعة جديدة تزيد من اضطراباته العقلية والجسدية، عندما يبدأ حل المشكلة الرئيسية بتعقب ماضيه مع سيارته التي كان سبب وصول حالته لما هو عليها ليعلم ان سيارته القديمة هي سبب الإضطرابات النفسية لطالما حاول عدم نفض الغبار عنها، لتحل كل الرموز الناقصة بالقصة أو الأحجية بالأحرى، ويحاول التكفير عن دنبه ليرتاح باله ويتخلص من حمل شاء القدر والمصادفة أن يحمله لمدة ليست بالهينة، وليجد حل لطيف طالما تبعه بدون أي جدوى وليعلم أنه عنينه ضميره الذي صحى منذ سنوات وكره المكوث ذاخل جسد لا يبالي، ليتجسد له في هيئة صورة غامضة ترسم له طريق الإصلاح وذلك عن الإرادة والإعتراف بالخطء.



يبقى الميكانيكي من الأعمال المظلومة جداً من ناحية الترشيحات والتقييمات، رغم رقي شعبيته ومكانته، وذلك شيء طبيعي في عصر الإختلاف وهو الأمر العادي بالنسبة للأفلام التي تجمع بين الدراما، الغموض والجريمة، الأقل المشاهدين عدداً، لكن طبعاً ليس ذوقاً فمن شاهد كريسيان بيل في عمل آخر، أضمن له أنه سيشاهد موهبة راقية جديدة أتت على كل الحيثيات وأكثر تواضعا وتقربا للجمهور، ففقط عن القدوم على حمية جد خطرة بذلك الشكل يجب الوقوف إجلال واحترام لهذا الفنان الذي أتى على نفسه من أجل تقديم عمل فني راقي بمستوى مشاهد مثل هذه الأعمال.



والسلام.

بقلم الكاتب السينمائي مروان
Mr Gibson - ستارتايمز - السينما العالمية

إرسال تعليق

هذا الخيار من الجوال بس . شوف لك خيار ثاني

ابدا الكتابة واضغط انتر للبحث