الجمعة، 3 سبتمبر 2010

ذاكرة الجسد , الدراما حين تبعثّ الحياة في الأدب



جماليات الروح الجزائرية.

أنزور يعيد نسج رواية مستغانمي في إيقاع سيمفوني يضج بالحياة والصور والمواقف المفعمة بالشاعرية.

يلاحظ المتابع لمسلسل "ذاكرة الجسد" فارقا شاسعا بين لغة الدراما التليفزيونية ولغة الرواية الورقية، فقد حول المسلسل إنشائية وشاعرية لغة الرواية الورقية إلى حياة تضج بالحيوية وبالصور والمواقف والنماذج البشرية المحملة بالتواريخ والدلالات والإشارات الفنية الرائعة التي تؤكد أن الجزائر أمة عصية تأبى الاستسلام للمُقدر أو المكتوب.

إنها سيمفونية عشق عزفها باقتدار المخرج نجدت أنزور على أوتار سيناريو ريم حنا الذي بالطبع تجاوز الرواية وضخ في عروق فكرتها وشخصياتها روحا جديدة، على الرغم من الاحتفاظ بذلك الجانب الشاعري.

أنزور قاد الأوركسترا ببراعة تمثيلا وتصويرا واختيارا للأماكن، هذه الأوركسترا الضخمة من الفنانين الذين أدوا أدوارهم بصدق وتميز، حتى أن انتهاء دور بعضهم لم يحل دون حضورهم في قلب الصورة، ولما لا وقد جعل أنزور منهم جميعا أبطالا.

ليس هذا فقط فقد استغل أنزور جماليات اللغة العربية الفصحى، أصواتها ونبراتها وسحر بيانها، وربما نستشعر ذلك بقوة في مشاهد الفلاش باك، حيث تتجلى اللغة الشاعرية.

السيمفونية اشتغلت على التحام عناصر عدة ربما انعكست عليها رؤى وأفكار أنزور وريم حنا، فالقتال والمقاومة والنضال ورموز الوطن عناصر صراع لم يشتغل بها على الحب والعشق والجسد، بل اشتغل بها على الأمة والوطن قضاياه ومشكلاته وهمومه، كاشفا عن جماليات الروح الإنسانية الجزائرية وأوصالها التي تتجاوز حدود الوطن.

لقد تحولت مفاهيم وأفكار التحرير والثورة من حرب ضد المحتل لدى المخلصين من أبناء الجزائر، في مرحلة أخرى، إلى حرب ضد كل ما يحول دون انفتاح أفق الحرية، إلى حرب لتحقيق العدالة والحفاظ على الحق والأصالة.

لم يباشر أنزور في كشف العلاقة بين فرنسا والجزائر، قسنطينة عاصمة الشرق الجزائري المشهورة بجسورها المعلقة وباريس عاصمة النور، تلك العلاقة الأعمق من الاحتلال والتحرير، بل جعلها تتخلل العمل وتتجسد في شخصياته ويتجلى في سلوكياتهم وأفكارهم.

يتضح تأثير فرنسا على الجزائر في شخصية حياة وغرامها بخالد ثم زواجها من مصطفى، قلبها لرجل وجسدها لرجل آخر، وأخيها ناصر الذي يبحث عن القيم التي ناضل من أجلها والده، ويعشق في ذات الوقت فريدة ويواعدها ليلتقيا ويتزوجا بعيد عن أسرتها، وأسرة سي شريف وزوجته وابنته فريدة وسي مصطفى زوج حياة وصاحب العلاقات المتعددة، وأم الزهراء زوجة الماضل سي الطاهر التي تكاد ترفض الإقامة في البيت القديم لزوجها المناضل.

لقد أبدع جمال سليمان مناضلا وعاشقا ومثقفا ورساما، ومدافعا عن قيم ثورة التحرير وما حبه وغرامه بحياة "أمل بوشوشة" ليس إلا جزءا من حبه للوطن، ولما لا وهي ابنة المناضل الجزائري الطاهر بن المولى الذي كان رفيق كفاح وصديق له أثناء ثورة التحرير، ولكنه قتل في أثناء حرب التحرير الكبرى ضد الاحتلال الفرنسي.

وأبدعت أيضا بوشوشة امرأة وعاشقة وجسدا متمردا، ونموذجا للجمع بين الغرب والشرق، وعلى نفس المستوى نجح أخيها ناصر "ماجد رياض" الذي مثل نموذج الشاب الذي يسعى للحفاظ بميراث والده المناضل الثوري من الكبرياء والشرف والعزة.

لكن ربما تظل اللوحة التي أهداها خالد لحياة يوم زفافها لتعلقها في مكان مميزة من صالون منزلها وتلجأ لتأملها بين وقت وآخر، تحمل مجمل المعاني التي يحتضنها المسلسل، فهذا الجسر المعلق، هذا الجسد الممدد، يجمع بين طرفين قليلة لحظات لقائهما، الروح والجسد، الحاضر والماضي، الحداثة والتراث، الغرب والشرق.

إرسال تعليق

هذا الخيار من الجوال بس . شوف لك خيار ثاني

ابدا الكتابة واضغط انتر للبحث