الأربعاء، 8 سبتمبر 2010

اليتيم الأسمر الذي كسر قاعدة الوسامة في السينما



الفنان الأصيل هو ذلك الذي يشق دربا لم يسلكه أحد من قبل، وهذا ما حققة الفنان الأسمر أحمد زكي الذي تجاوز ببراعته في الأداء عقبة العرف السائد عن فتى الشاشة الوسيم، وأقنع ببساطة وصدق تمثيله للشخصيات جمهورا واسعا، صدقه في كل أدواره من بواب العمارة إلى الزعيم السياسي، ومن ابن الطبقة المتوسطة إلى الصعلوك ورجل العصابات، وقدم في عمر قصير تراثا سينمائيا باقيا ومدرسة في الأداء لا تنسى.

كان أحمد زكي يتمنى أن يقدم شخصية عبد الحليم حافظ في فيلم سينمائي، فقد توحد النجم الأسمر مع العندليب الأسمر لأنه رأى فيه نفسه، فكلاهما يتيم وموهوب وقادم من الريف المصري، من قاع المجتمع إلى أن وصل إلى قمته!
وقد عاش أحمد زكي سنواته الخمس الأخيرة وهو يحلم بتقديم حياة وفن عبد الحليم حافظ، بعد نجاحه الساحق في تقديم عدد من عظماء مصر منهم: طه حسين، وجمال عبد الناصر، وأنور السادات.
وأخيرا تحقق الحلم، وإن جاء متأخرا بعد أن أصيب أحمد زكي بالسرطان، ولكنه برغم ظروفه المرضية القاسية استطاع أن يتحايل على نفسه، فلعب الجانب الأكبر من شخصية «حلـيم» في الفيلم الشهير الذي عرض يوم 7 ديسمبر عام 2006، وهو الفيلم الذي تم استكماله بعد وفاة أحمد زكي في 27 مارس عام 2005، حيث قام ابنه الوحيد هيثم بتكملة الدور.
والآن.. فإن كل الدنيا شاهدت فيلم «حليم» ما عدا النجم الأسمر الذي حلم بالدور، وقام به، وهو أحمد زكي نفسه.
وهذه هي الدراما في ذروتها، وكما لا يستطيع أي مؤلف أن يصنعها بمثل هذه الحبكة الدرامية.
فالمفارقة هنا هي أن النجم الأسمر الذي حلم بالدور، وقام به، لم يشاهده.. ولن يشاهده.
وشاء القدر أن يرحل أحمد زكي في مثل الوقت الذي رحل فيه العندليب عبد الحليم حافظ في شهر مارس بعد مرور 28 عاما.. فكان أحمد زكي يذهب إلى أماكن التصوير على كرسي متحرك بصحبة الطبيب المشرف على علاجه ومع كل مشهد كان الطبيب يتوقع وقوعه بين لحظة وأخرى.. لقد عاش الاثنان نفس الرحلة من الزقازيق إلى القاهرة وعانى الاثنان من اليتم والحرمان والحضن الدافئ.. ومشيا فوق الاشواك ورحلا في عز شبابهما وعطائهما.


جواز المرور


من يترك كنزا في قلوب الناس لا يمت، ومن يحفر أثره في الصخر يبقَ مع دوران الأيام، لكن الحزن يكبر كلما كبرت القيمة المختزنة في الذاكرة الإنسانية، هكذا نفهم لماذا كل هذا التعاطف مع أحمد زكي، ولماذا كل هذا الحزن على أحمد زكي، فقد صنع النجم الأسمر تراثا لا ينسى، لأنه أولا إنسان حقيقي مندمج في هموم البسطاء، ولأنه فنان حقيقي يسعى وراء قيمة باقية، لا أضواء زائلة.
في ذاكرتي عنه صورة ثابتة، ليست صورة جمال عبد الناصر أو أنور السادات، وليست صورة البواب أو الطبال أو الوزير أو الكوافير أو الملاكم أو السباك أو الصعلوك أو زير النساء أو المحامي أو ضابط الشرطة أو تاجر المخدرات أو الوطني أو الوديع أو المطارد أو المدمن.
في ذاكرتي صورة عن أحمد زكي نفسه، هذا الانسان البسيط الأسمر الذي استطاع أن يكسر الحصار المغلق على فتيان الشاشة الأوائل. فقد كان المخرج زمان حينما يرى شابا وسيما في أحد الأندية يسأله لماذا لا تمثل؟
وكان الشكل والوسامة هما جواز المرور إلى باب النجومية. لكن أحمد زكي غير هذا المفهوم ولم يعد الفتى الأول هو أنور وجدي أو رشدي أباظة أو كمال الشناوي أو حسين فهمي او غيرهم. لكن كانت الصدمة الأولى حين سحب منه فيلم «الكرنك» قبل التصوير بيوم واحد، وقيل صراحة «معقول شاب مثل هذا أسود وشعره مجعد تحبه سعاد حسني»؟


أحمد زكي و.. العميد


وكانت المفاجأة حينما أدى أحمد زكي دور حياة عميد الأدب العربي طه حسين في قصة «الأيام» المسلسل التلفزيوني الذي تعرف عليه الناس وأعجب به المخرجون، فقد ظهر جيل جديد من الشبان الدارسين الذين حملوا السينما على أكتافهم بعد جيل الرواد. جاؤوا بفكر جديد وسينما تمثل الواقع الجديد مثل رأفت الميهي ومحمد خان وخيري بشارة وعاطف الطيب، الذين غامروا بإسناد البطولة المطلقة له. اختاره المخرج خيري بشارة بطلا مطلقا في فيلم «العوامة رقم 7» عام 1982، واستطاع فيه أحمد زكي أن يعبر عن جيل شباب السبعينات الذي عاش بعد النكسة، جيل القلق والضياع، وأصبح مع بداية الثمانينات هو النجم المتألق ضاربا بمواصفات الفتى الأول عرض الحائط.
وخلال 33 عاما هي مشواره الفني نجح أحمد زكي في أن يخطف الأضواء ليكون أكثر نجوم جيله شعبية ومصداقية لدى الجمهور. قدم أدوارا لا أتصور أحدا يؤديها غيره، فمن ينسى نخوة عسكري الأمن المركزي «أحمد سبع الليل» وغيرته على كرامته فـي فيلم «البريء» عام 1986، ومن ينسى «منتصر» في الهروب عام 1991، ومن ينسى «زينهم جاد الحق» في الامبراطور عام 1990، و«المدمن» عام 1983، و«النمر الاسود» عام 1984، و«الباشا» عام 1993. ومن ينسى «العميد هشام» ضابط مباحث أمن الدولة في «زوجة رجل مهم» عام 1988. وقدم أحمد زكي شخصيات المهمشين والناس الغلابة المطحونين ومنها: «أنا لا أكذب ولكني أتجمل» و«الحب فوق هضبة الهرم» و«أحلام هند وكاميليا» و«المخطوفة» وغيرها.
معظم الشخصيات التي لعبها أحمد زكي حظيت بتقدير حقيقي من النقاد والفنانين والفنيين من خلال جوائز من المهرجانات والجمعيات، وكانت أهم هذه الجوائز وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى من الرئيس محمد حسني مبارك عام 2001، ثم تكريم من الرئيس التونسي زين العابدين بن علي بمنحه وسام الفنون عام 2002، وجائزة أحسن ممثل في مهرجان قرطاج، والجائزة الذهبية من مهرجان العالم العربي بباريس، وجائزة أحسن ممثل من مهرجان شنغهاي بالصين، و9 جوائز من مهرجان جمعية الفيلم، وجائزتين من مهرجان الإذاعة والتلفزيون، وجائزة أحسن ممثل من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، وجائزتين من مهرجان المركز الكاثوليكي، وجائزة مـن مهرجان الإسكندرية السينمائي الدولي.


نجم الأوائل


الكتابة عن أحمد زكي هي أقل تقدير لفنان يندر مثاله بما يملكه من موهبة وتفرد وتميز ولهذا وضعه الجميع في مكانة استثنائية، وتشهد على ذلك اختياراته وعشرات الجوائز والتكريمات والأوسمة التي حصدها.
لقد اقتربت من النجم الكبير أحمد زكي ومن حياته في عام 1971 أثناء تصوير فيلم «أغنية على الممر» وأستطيع أن أقول ان هناك صفات كثيرة منحها له الله هي التي صنعت ورسخت مكانته وجعلت منه فنانا عبقريا واستثنائيا وانسانيا رائعا.
قليلون أولئك الفنانون الذين ينجحون في أن يجعلوا من الشخصيات الفنية علامات حقيقية في فن التمثيل ومنهم أحمد زكي فهو عبقري في أدائه ولقّبه الكثيرون بأنه رئيس جمهورية التمثيل.
ولا أضيف جديدا إذا قلت ان أحمد زكي من القلائل الذين يحتلون المركز الأول منذ جاء إلى القاهرة، فهو الأول على دفعته بمعهد التمثيل، وأول نجم أسمر بملامح الملايين، وهو أول فنان يحصد هذا الكم الكبير من الجوائز، وهو أول فنان يقدم شخصيات الرؤساء بأسمائهم (ناصر، السادات)، وكان أول فنان ينال التقدير والتكريم من الرئيس محمد حسني مبارك وحصل على وسام الفنون والعلوم من الطبقة الأولى.


المجنون العاقل


من كان يريد أن يعرف أحمد زكي الانسان كان عليه ان يذهب معه إلى البلاتوهات، وهناك يرى كيف يتعامل مع عامل الاستوديو وفني الإضاءة.
ومن كان أيضا يريد أن يعرف أحمد زكي «الفنان» كان عليه ان يذهب إلى جلساته الفنية ليراه وهو يتحدث عن أحوال السينما وعشقه للتمثيل فيثور وينفعل ويصرخ. لذلك أطلق عليه الشاعر الراحل صلاح جاهين «المجنون»، ذلك المجنون بفنه وحبه للسينما وحب التمثيل والصدق في الأداء.
هذا الفتى الأسمر الذي جعل لون بشرته السمراء نعمة، لا «نقمة».. حقق نجاحاته وتميز بإصرار وتحد ولم يجعل العوائق توقف طموحه، ولهذا حقق ما حقق من نجومية وفرض واقعا جديدا في زمن كان للنجوم مواصفات شكلية لم تكن تتوافر له، ولكن بملامح الملايين التي تحمل البساطة وتدخل القلوب أصبح نجما، كما أنه أدرك مبكرا أن الفن اداء وموهبة وفكر وليس شكلا خارجيا.

متعب.. مزعج.. غير منضبط


قذائف عديدة أطلقت من مدافع الحقد، والغيرة، والنميمة، على النجم الأسمر أحمد زكي الذي لم يكذب، ولم يتجمل، وتعايش مع كل أدواره، فمنهم من قال: إنه يتدخل، ويعترض، ويناقش، ويكبد المنتج خسائر فادحة.
الماكياج الذي يتم عادة في ساعة، يقضي فيه 3 ساعات. ورددوا أيضا: قد يتذكر ساعة التصوير، ولكنه ينسى اليوم.
وما أكثر ما قالوا، وما أشاعوا، وما رددوا:
والرد على كل هذا كان بكلمة واحدة هي التدقيق في العمل حتى يخرج في أفضل صورة ممكنة.
هذا هو عيب أحمد زكي الأكبر والأوحد، إذا ما جاز اعتبار الرغبة في الكمال، والتدقيق، عيبا.
والعبرة، كما كان يقول النجم أحمد زكي، بالنتائج، لذلك كان يردد دائما: لا تحاسبوني أثناء التصوير بالفيلم، أو قبل انتهاء المسلسل.
بثقة يضيف: حاسبوني بعد العرض؟! ومبعث ثقة أحمد زكي أنه كان واثقا من النتائج، واثقا من النجاح الباهر.

إرسال تعليق

هذا الخيار من الجوال بس . شوف لك خيار ثاني

ابدا الكتابة واضغط انتر للبحث