السبت، 4 سبتمبر 2010

هل كانت طبيعته القاسية وراء فشله في الحب؟


أحمد زكي وجيهان السادات



الفنان الأصيل هو ذلك الذي يشق دربا لم يسلكه أحد من قبل، وهذا ما حققة الفنان الأسمر أحمد زكي الذي تجاوز ببراعته في الأداء عقبة العرف السائد عن فتى الشاشة الوسيم، وأقنع ببساطة وصدق تمثيله للشخصيات جمهورا واسعا، صدقه في كل أدواره من بواب العمارة إلى الزعيم السياسي، ومن ابن الطبقة المتوسطة إلى الصعلوك ورجل العصابات، وقدم في عمر قصير تراثا سينمائيا باقيا ومدرسة في الأداء لا تنسى.

كان أحمد زكي يعاني ويتعذب كثيرا من أجل توصيل الفكرة والرؤية من خلال شخصياته التى يؤديها. يهتم كثيرا بتفاصيل الوجه أثناء الأداء، ولذلك فهو كان يكره التمثيل في الإذاعة.
ولا ينسى أحمد زكي تلك الشهادة التى حصل عليها من كمال الشناوي أثناء تصويره المشهد الأخير فى فيلم «المخطوفة»، عندما تحدث المواجهة مع كمال الشناوي، فعندما أدى هذا المشهد صمت الجميع فى الاستديو بينما هتف كمال الشناوي بصوت عال «برافو يا أستاذ أحمد»، أدى الدور ببراعة شديدة، وكنا نرى التلون فى الاداء والانتقال بنعومة من البراءة إلى الشر بكل الدرجات الإبداعية.


أيام السادات


والدليل أنه أثناء تصوير أحد مشاهد فيلم «أيام السادات» عام 2001 داخل فيلا الرئيس الراحل أنور السادات التى تطل على النيل، وكان هناك الكثيرون من الفنانين والفنيين والعاملين في الفيلم، وكانت السيدة جيهان السادات قد وفرت كل التسهيلات الممكنة لتقديم الفيلم فى أفضل صورة تليق بمكانة وأهمية الرئيس الراحل ودوره التاريخي ـ حيث كانت تشاهد وتتابع ما يحدث ـ
ومع بداية تصوير المشهد قال المخرج محمد خان: «سكوت ح نصور»، وخيم الصمت على المكان لتصوير المشهد الذى كان يجمع أحمد زكي وميرفت أمين.
ودارت الكاميرا، وبدأ أحمد زكي يؤدي دوره بملامح من الصعب أن تدرك معها أن الواقف أمامك ليس الرئيس، وكان المشهد يتطلب من أحمد زكي أن ينادي بصوت مرتفع على ميرفت أمين باسمها، فما إن قال بصوته: «يا جيهان».. حتى ردت السيدة جيهان السادات بشكل عفوي: «نعم يا ريس»، فترددت ميرفت أمين وصاح المخرج محمد خان: «ستوب»، ونظر الجميع إلى السيدة جيهان السادات التى لم تتمالك نفسها وانهمرت الدموع من عينيها، واتجهت نحو السلم لمغادرة المكان، فأسرع إليها أحمد زكي يعتذر.
إلى هذا الحد استطاع أحمد زكى أن يجسد شخصية أنور السادات ببراعة ويتقمصها الى درجة جعلت السيدة جيهان السادات تنسى أن الواقف أمامها أحمد زكي وليس الرئيس محمد أنور السادات.


بكاء الفنان


 
مشهد من فيلم «الراعي والنساء»


حكى لي أحمد زكي ذات يوم عن أحد أهم المشاهد التي جمعته بالفنانة يسرا في فيلم «الراعي والنساء» حيث كان المشهد يتطلب أن تقف في مواجهته ووجهها للكاميرا بينما ظهره هو للكاميرا وكانت جملة الحوار مؤثرة للغاية، حيث كانت تقول له وهي تبكي : أرجوك لا تتركني وحدي، أنا حسيت معاك بالأمان.. أرجوك لا تتركني يا حسن» ورغم أنه كان يعطي ظهره للكاميرا، فان الأداء المؤثر للفنانة يسرا جعله يندمج ويبكي.
قالت لي الفنانة هالة صدقي ذات مرة: إن أحمد زكي استطاع أن يمثل بقفاه في فيلم «الهروب» من خلال ادائه لشخصية الشاب الريفي الطيب «منتصر».


الفراغ ما زال موجودا


كان أحمد زكي، كما تقول هالة صدقي، «يعلم أن قانون السينما لا يتيح له العديد من الأدوار الجيدة وأن المتاح امامه من الفن الجميل قليل، لكنه في الوقت نفسه لا يرضى لنفسه الاشتراك في أفلام متوسطة فنيا وفي أدوار لا تتيح كل إمكانات التعبير، وكان يبرر هذا الموقف قائلا: أفضل أن أصبح جنرالا متقاعدا خارج الخدمة على أن أكون جنديا صغيرا في الميدان، وظل أحمد زكي في الميدان وحتى النفس الأخير لم يترك موقعه، في كل فيلم يقدمه كان يدهشك ولا يمكن أن يكرر نفسه، ولا يستطيع أحد أن يؤدي تركيبة أفلامه التي قام بها، كل شخصية لها تركيبتها الخاصة ويعيش حكاياتها بعيدا عن الأخرى، فهو كان حالة خاصة جدا، كما ذكرت، ومتفردة في الوقت نفسه من الصعب تكرارها، وللأسف كثيرون يقلدونه حاليا ويلبسون الكوفية الشهيرة بتاعته. ولا أعتقد أن يأتي أحد يشبهه. يا ناس يا هووه الراجل ده كان بيمثل بقفاه.. عايز إيه اكثر من كده».
لم يكن أحمد زكي ممثلا عاديا لأدوار عادية. بل تقمص وجسد وتلون عبر العديد من الشخصيات التي لا تنساها ذاكرة السينما.. ولا ذاكرة المشاهد.


تجربة مريرة


وإذا كان الشيء بالشيء يذكر كما يقولون، فمن الضروري أن أشير هنا إلى أن الذكريات المؤلمة جدا تقابلها ذكريات مفرحة. فقد كانت أجمل اللحظات السعيدة في حياة النجم الأسمر أحمد زكي حينما كان يذهب إلى المهرجانات الدولية ويجد الناس سعداء بأفلامه. كان يسعده جدا أن يوقفه أحد بسيارته هو وأسرته ليقول له: «إحنا مش عايزينك تعمل أي عمل وبس.. أنت كده ماشي كويس جدا».
ومن الذكريات المؤلمة فعلا حين توفي صلاح جاهين الذي كان بالنسبة لأحمد زكي الصديق، والأب، والأخ. لقد شعر باليتم مرة أخرى بعد أن فقد صلاح جاهين الإنسان الذي احتواه على مستوى المسرح والبيت، كان يأخذه معه إلى البيت ويسأل عنه باستمرار ولآخر لحظة، حيث عاش معه مراحل حياته حين سحبوا منه بطولة فيلم «الكرنك»، ووقف معه يسانده حتى وقف على قدميه.
وحين أقيم أسبوع لافلام أحمد زكي في مسقط رأسه «الزقازيق» وقف صلاح جاهين يتحدث عنه لدرجة أنه بكى حين قال:
ــــ رأيت أحمد زكي في السنة الأولى في المعهد، وتابعته وهـو يشق طريقه، كيف رفض، وكيف عانى. في بداية حياته الفنية رأيته في كل أوقاته، واليوم أحضر تكريمه في محافظة الشرقية، وأنا اليوم احس بالاطمئنان عليه.


واغرب ما في الأمر أن أحمد زكي تلقى نبأ وفاة صلاح جاهين عام 1982 وهو في مستشفى «لندن كلينك حيث أجريت له جراحة لاستئصال المرارة، وبعض قرح صغيرة في المعدة. وكان صلاح جاهين يومها قد اتصل به في المستشفى من قبل ليطمئن عليه، ويقول له «عايز حاجة يا أحمد.. أجيلك؟».
كانت أكبر صدمة لأحمد زكي الذي رفض جسمه أن يتواءم في مستشفى لندن بعد سماع هذا الخبر المشؤوم. كان المفروض أن يمكث ستة أو سبعة أيام بعد إجراء العملية. لكن الجرح رفض أن يلتئم. وظل في المستشفى خمسين يوما فقد فتح الجرح مرة ثانية بعدما سمع الخبر، وأحضروا له أطباء أعصاب وأطباء نفسيين.
لقد شعر أحمد زكي بأنه فقد جزءا كبيرا منه، فهو فنان كبير لا غبار عليه، وكل الناس يحبونه ويقدرونه، وظلت آخر كلماته ترن في أذني أحمد زكي وهو داخل لإجراء العملية حتى كلمه بالتليفون: «أجيلك بكره يا أحمد؟».
وأهم ما يذكر عن أحمد زكي أنه خلال التجربة المريرة التي مر بها أثناء رحلة علاجه سواء التشخيصية، إلى دخوله المستشفى في باريس لعمل جراحات أو في القاهرة، كان يشعر اكثر بحب الناس، من كل أنحاء الوطن العربي.

حبيب البسطاء


يذكر مرة أثناء وجوده في مستشفى «دار الفؤاد» عقب عودته من باريس أن أسرة بأكملها جاءت لكي تطمئن عليه، داعين له بالشفاء العاجل. هذا الموقف جعل أحمد زكي يبكي بغزارة. أسرة بسيطة الموارد تكلف نفسها هذا العناء لمجرد الاطمئنان عليه، حتى أن أحد المعجبين المحبين لفنه، القى له قصيدة تعبيرا عن مدى حبه فقال:
ــــ يا بريء .. يـا باشا .. الكل بيحبوك مـن «البيه البواب» حتى «معالي الوزير» .. وكمان «سواق الهانم» يا «طائر على الطريق» عايز «موعد على العشاء»، نأكل «كابوريا» و«استاكوزا» ودامش «ضد الحكومة».. ولأنك «ناصر» و«السادات» وكمان حامل وسام الجمهورية من الرئيس مبارك.. كلنا «عيون لا تنام» حوليك.. ياللا «اضحك علشان الصورة تطلع حلوة»..
فضلا عن ذلك كانت هناك اتصالات من الرئيس مبارك شخصيا بأحمد زكي للاطمئنان عليه، بعد أن أمر بعلاجه على نفقة الدولة.
هـذه المشاعر الفياضة جعلت الفنان أحمد زكي يحب الفن أكثر. وباستمرار كان يقول إنه لم يفعل شيئا، وإنـه مـا زال خائفا ويخشى أن ينقصه العمر من دون أن يحقق شيئا.


وهناك شيء اخر بارز في حياة النجم أحمد زكي، هو أنه تأثر كثيرا بوفاة الفنانة هالة فؤاد أم ابنه الوحيد «هيثم» عام 1993، ومن يومها لم يعد يفكر في الزواج مرة أخرى، كان دائما يقول كل شيء قسمة ونصيب، فالفن وهيثم هما عائلتي الوحيدة. لكن المقربين من أحمد زكي أكدوا أنه لم يحب في حياته سوى ثلاث مرات فقط، الأولى عندما أحب هالة فؤاد وتزوجها لمدة عامين وانجب منها ابنه الوحيد «هيثم» عام 1983، ورغم الطلاق فإن أحمد زكي ظل يحب هالة ويكن لها مشاعر الود والتقدير. المرة الثانية التي ربط الحب بينه وبين فنانة ونجمة كبيرة هي نجلاء فتحي أثناء عملهما سويا في فيلم «سعد اليتيم» عام 1985، ورغم الحب فان الزواج لم يتم بسبب طبيعة أحمد زكي كفنان وهي طبيعة قاسية لا يستطيع أن يتحملها أو تتحملها إنسانة أخرى معه، وأما المرة الثالثة التي أحب فيها، فكانت شيرين سيف النصر التي شاركته بطولة فيلم «سواق الهانم» عام 1994 ورغم الحب فان الفراق كان من نصيبهما لأسباب كثيرة.

إرسال تعليق

هذا الخيار من الجوال بس . شوف لك خيار ثاني

ابدا الكتابة واضغط انتر للبحث