الخميس، 16 سبتمبر 2010

مآزق نفسية مفتوحة على الهاوية

«لم تكن ترجمة العنوان الأصلي باللغة الإنكليزية Inception للفيلم الأخير لكريستوفر نولان سهلة. تفسيرات عدّة يُمكن اعتمادها. في «المورد» لمنير البعلبكي، ذُكر مرادفان: ابتداء واستهلال. الترجمة الفرنسية اختارت كلمة «أصل» (Origine). لكن التعبير الإنكليزي، داخل السياق الحكائي، وجد في «زرع أفكار» ترجمة أقرب إلى المعنى الذي عالجه الفيلم. ذلك أن دومينيك (دوم) كوب (ليوناردو دي كابريو) يعمل في مجال غريب جداً: التسلّل إلى أحلام أناس معينين لمعرفة أسرارهم، أو لكشف أمور مخبّئة في لاوعيهم. عمله منضو في إطار التجسّس الصناعي. إنه مسؤول عن فريق مؤلّف من ناش (لوكاس هاس) وآرثر (جوزف غوردون ـ ليفيت). هؤلاء معروفون بأنهم «مستأصلون». هذا كلّه، قبل أن يطلب منه سايتو (كن واتانابي) تنفيذ مهمّة أغرب: اختراق لاوعي روبرت فيشر (سيليان مورفي)، ابن منافسه الكبير موريس فيشر (بيت بوستلتوايت)، بهدف التلاعب بعقله الباطني، ودفعه إلى تخريب شركته الخاصّة، ما يؤدّي إلى إتاحة المجال أمام سايتو للتفرّد في الأعمال، واحتكارها.
الترجمة صعبة قليلاً. المفردات العربية تتلاءم والمعاني المختلفة للمدلول الإنكليزي. مهنة كوب ورفيقيه واضحة المعالم: إنهم يتسلّلون إلى اللاوعي لاستئصال شيء ما منه، أو لزرع شيء ما فيه. إنهم، بهذا، يبدأون أمراً معيناً، بحسب أوامر المهامّ المطلوب منهم تنفيذها. هذا، باختصار شديد، موضوع الفيلم. لكن التفاصيل الجانبية فيه، على مستويي الشكل والمضمون، دافع حقيقي لمتعة بصرية، تسمح بمعاينة اللعبة التقنية، التي تُترجم المضمون الدرامي. ثم إن دوم كوب لا يظهر في السياق كلّه مجرّد عميل استخباراتي صناعي. لديه مأزق نفسي أساسي، كاد يُدمّره مراراً: علاقته المرتبكة بزوجته، الذاهبة إلى حتفها من دون أن تخرج من لاوعيه. المأزق النفسي لا يقلّ أهمية وخطورة عن طبيعة وظيفته. إنه جوهر الحبكة أيضاً، بالإضافة إلى المهنة. جوهر يأخذ المُشاهد إلى عوالم دفينة في النفس البشرية. إلى متاهات قاسية في العقل الباطني. إلى نوع من تطهّر روحي ونفسي أيضاً. الغرق في اللاوعي أو العقل الباطني مصَوّر بطريقة سينمائية جميلة. التداخل بين الواقع والوهم، أي بين الحقيقة والمتخيّل، أي بين النوم واليقظة، أي بين الوعي واللاوعي، مرسوم بلغة سينمائية آسرة. في لحظات كثيرة، يُصبح المُشاهد ضائعاً بين التناقضات كلّها هذه. الحد الفاصل بينها واه. لا ينكشف بسهولة. يؤسّس لرحلة مرتكزة على مزيج التناقضات نفسها. من جهة أولى، مال الفيلم إلى التشويق، في التجسّس والمطاردة والبحث عن المعلومات المطلوبة. ثم كشف جانبه المتعلّق بالمأزق النفسي/ الروحي. وهذا مُستَكمَلٌ باختراق اللاوعي/ العقل الباطني. بالتسلّل إلى الأحلام أيضاً. من جهة ثانية، وازن النصّ السينمائي بين الرحلتين: المهام التجسّسية وعالمها المفتوح على أقسى المتاهات الممكنة، وسعي دؤوب إلى الاغتسال من المأزق الذاتي للشخصية الرئيسة. في الرحلتين معاً، أو بينهما، ترتفع نسبة التشويق والارتباك الجميل لدى المُشاهد، كلما غاص النصّ السينمائي في المتاهات تلك. أو في التناقضات المحمولة على أدوات تعبير سينمائي نابع من سيناريو (كتبه كريستوفر نولان نفسه) محكم ومتين ومتماسك.
الواقع والوهم
بهذا المعنى، اقترب «ابتداء» من الجزء الأول من رائعة الأخوين آندي ولاري واتشوفسكي «ماتريكس» (1999). الفيلمان متشابهان في ناحية واحدة: سؤال الواقع والوهم، والتشعّبات الناتجة منهما. أو بالأحرى سؤال موقع الإنسان في عالم اليوم: أمُقيم هو في العالم المعروف، أم إنه جزء من الـ«ماتريكس»، العالم الافتراضي؟ في «ابتداء»، هناك نهاية مفتوحة. لا إجابة عن مكان الإنسان، عن الحدّ الفاصل بين الوعي واللاوعي. التغلغل السينمائي في أعماق النفس البشرية سمح بالإحساس بحالة ملتبسة وغريبة: إقامة في الحلم أم في العقل الباطني؛ أم إن الحلم/ العقل الباطني مشلّع أمام احتمالات الغموض والضياع وسط الأسئلة المعلّقة والأجوبة المشحونة بأسئلة لا تنتهي؟ كريستوفر نولان مولع بدهاليز النفس البشرية. بتلك الأسئلة التي ما إن يبلغ المرء حدّاً معقولاً من معرفة أجوبتها، حتى تعيد (النفس البشرية) طرح أسئلة والتباسات أخرى. مثلٌ أول: «ميمنتو» (2000)، أي التّذكِرة/ التذكار. شيء ما للتذكير. ليوناردو شيلبي (غي بيرس) مُصاب بفقدان الذاكرة. زوجته قُتلت. البحث عن الفاعل ليس أمراً سهلاً لرجل مثله. الجانب النفسي في الحبكة الدرامية واضحٌ. مثلٌ ثان: «أرق» (2002). ويل دورمر (آل باتشينو) تحرّ مُصاب بأرق فظيع. هذا مأزق نفسي آخر. إنه درب مفتوح على السقوط في هاوية الارتباك. البحث عن قاتل أحال يوميات دورمر إلى جحيم، لأن الجريمة بشعة. ولأن التحرّي مُصاب بالأرق. الجريمة مفردة مرتبطة بهذين الفيلمين، ارتباطها بـ«ابتداء». في الفيلمين، هناك جريمتا قتل. في جديد نولان، الجريمة مرتبطة بالتجسّس الصناعي. بل بما هو أخطر: التسلّل إلى خفايا الناس. إلى أكثر الأمكنة في النفس البشرية حميمية. الأحلام والعقل الباطني واللاوعي. الخزانة السرّية للإنسان الفرد. الإسقاطات مشروعة على القراءات النقدية الخاصّة بأفلام أخرى له: «بداية الرجل الوطواط» (2005). «الفارس المُظلم» (2008). المشترك بينها: غليان النفس البشرية، وعالم الجريمة.
خزانة الخفايا
إذا بدا السيناريو مشغولاً بطريقة تتيح للمُشاهد إمكانية الغوص داخل التفاصيل البصرية، من دون التغاضي عن مضمون مشبع بجوانب صغيرة ودقيقة؛ فإن الاشتغال البصري قدّم اختباراً جميلاً للترجمة السينمائية الخاصّة بعالم الأحلام والعقل الباطني والصراع القائم بين الفرد ولاوعيه، أو بالأحرى بينه وبين مكبوتاته وكوابيسه وهواجسه. الخزانة مليئة بأشياء مرفوضة من قبل الإنسان الفرد. «ابتداء» قدّم نموذجاً سينمائياً عن شكل الخزانة وخفاياها. دوم كوب لا يختلف كثيراً عن إدوارد (تيدي) دانيالز، الشخصية التي أدّاها ليوناردو دي كابريو نفسه في «جزيرة شاتر» (2010) لمارتن سكورسيزي. تيدي مُصاب بألم عميق جرّاء مقتل زوجته دولورس شانل (ميشيل ويليامز) وأبنائهما. وقع في تمزّق نفسي وروحي وأخلاقي بالغ الخطورة. لم يستطع الخلاص من سطوة الحضور القوي لزوجته في لاوعيه وعقله الباطني، إلى درجة خروجها الدائم إليه من العالم المظلم في نَفْسه. الصراع قائم أيضاً بين دوم كوب وعقله الباطني، بسبب سطوة الحضور القوي لزوجته مال (ماريون كوتيار)، المنتحرة أمام عينيه، بعد أن اختبر تجربة ما عليها، فباتت أسيرتها. غير أن أداء دي كابريو في «جزيرة شاتر» أفضل وأمتن وأقدر على تقديم صورة المُصاب باضطراب نفسي خطر، من دون الانتباه إليه، أي رفضه. في حين أن دي كابريو في «ابتداء» حافظ على أداء جيّد، من دون بلوغ مرتبة الإبهار، التي اعتاد الممثل الشاب تقديمها في أفلام عدّة متفرّقة.

إرسال تعليق

هذا الخيار من الجوال بس . شوف لك خيار ثاني

ابدا الكتابة واضغط انتر للبحث