الأحد، 22 أغسطس 2010

صائد الغزلان , The Deer Hunter‏ , مايكل شيمينو صنع التحفة الأهم في مشواره








رغم المكانة الكبيرة التي يتمتع بها المخرج الأميركي مايكل شيمينو، الا ان النسبة الأكبر من عشاق الفن السابع، يتذكرونه بانه المخرج الذي كان وراء فيلم «بوابة الجنة» الذي يعتبر الفيلم الذي حقق أكبر خسائر في تاريخ الفن السابع، بل انه احد اسباب انهيار الاستديوهات التي انتجته، ويتناسى الجميع، ان هذا الفنان الكبير كان وراء اهم عمل سينمائي صنع عن الحرب الا وهو «صائد الغزلان» او The Deer Hunterوالذي يمثل قصيدة سينمائية عالية الجودة، تعلن الموقف الصريح ضد الحرب، بل تتجاوز ذلك، للتنديد بالحروب، الحروب كافة، وبالتدخل الاميركي في حياة ومصائر الشعوب. ولهذا فاننا في هذه المحطة، امام فيلم منذ اللحظة الاولى، اختار المواجهة.. والرفض للنتائج الاخلاقية والعقلية لاثار الحروب، بالذات، حرب فيتنام، حيث يشرع الفيلم ابوابه امام تلك النتائج، والتي اقلها الانتحار.. والكآبة.. والعقد النفسية.. وويلات الحروب تظل حاضرة في الذاكرة.

فيلم «يخدعنا» بالمشهديات الاولية، لينقلنا بعدها الى الوان حرب ضروس.. تحبس الانفاس.. والى عوالم من الاكتئاب.. والذعر والخوف.

وتعالوا نذهب الى الفيلم، الذي يعتمد على نص روائي الماني الاصل بعنوان «ثلاث رفاق» كتب عام 1936، قام المخرج مايكل شيمينو (او كيمينو) باعادة صياغته لتجري الاحداث في فيتنام. وقبل ان نبدأ بالعرض الروائي لاحداث الفيلم، نشير الى ان هوليوود، قدمت حفنة من الاعمال السينمائية المستمدة من عالم الحروب، بعضها مبالغ فيه، ودعائي وغوغائي ومسطح بالذات «القبعات الخضر» من بطولة جون واين.

اما بقية الافلام، فكانت تعزف على وتر المواجهة، والتنديد بالحروب وويلاتها، ومن ابرزها «بلاتون» لاوليفر ستون و«القيامة الان» لفرنسيس فورد كابولا وايضا التحفة المهمة «السترة الحديدية» (المعدنية) لستانلي كوبريك.

فترة الستينات

ونعود لفيلم «صائد الغزلان» الذي تجري احداثه في غرب بنسلفانيا في مرحلة من الستينيات من القرن الماضي، حيث نتابع حكاية مجموعة من الاصدقاء، وهم مايكل (روبرت دويترو) وستيفن (وجون سافاج) وبنك (كريستوفر والكن) وستانلي (جون جنرال) وجون (جورج دزولزازا) واسكل (شيك اسبرغين).

هذه المجموعة كانت تعيش مرحلة مهمة من تاريخا تاريخ بلادها، هي امام التحضير للزواج وايضا الانخراط بالعسكرية.

حياتهم محددة الملامح، بين العمل، والذهاب في نهاية الاسبوع لصيد الغزلان وسط الغابات البعيدة، حيث لا شيء سوى النظرة الثاقبة والرصاصة القاتلة التي تذهب الى جسد تلك الغزلان الامنة في غابات بنسلفانيا.

ويذهب بنا الخط الدرامي، الى العلاقة التي تربط مايكل وينك مع ليندا (ميريل ستريب) والتي كانت تعطى كل منها الاحساس بالحب.

ولكن ذلك الهدوء والاستقرار، سرعان ما تعصب به الريح، حينما تنتقل المجموعة الى رحم الحرب في فيتنام، وهناك لا شيء سوى الاوامر.. والرصاص.. والغابات.. وبدلا من ان يمارس الشباب اصطياد الغزلان، عليهم اصطياد الجنود الفيتناميين، او التحول هم انفسهم الى اهداف يطاردهم الجنود الفيتناميين عبر حالات من التوتر، تحبس الانفاس وتزرع الذعر في الجمهور قبل الشخصيات.

وقبل رحلة السفر، يحضر الشباب، حفل زفاف ستيفن على انجيلا، وكأن ذلك الحفل كان بمثابة الوداع لكل شيء.. لهم.. ولحياتهم التي عاشوها برغد.

ومع لعلعة رصاصات الحرب، يجد ثلاثة من ابطالنا انفسهم في مأزق كبير، حيث تم القبض عليهم، وارسالهم الى السجن، في معسكر للجنود الاميركان، وهناك نرى كما من الشخوص والحالات التي تدهورت نفسيا حتى تحولت الى براكين متفجرة.. تمارس لعبة الموت من خلال ما يسمى بالروليت الروسي، والذي يقوم خلاله احد الجنود بوضع طلقة (رصاصة) واحدة، في المسدس ذي العجلة الدوارة، ويتم تحريك القرص، ثم يبدأ احد المتسابقين بتوجيه فوهة المسدس الى رأسه ويضغط على الزناد.. انتحار.. وجنون.. وشخصيات متوترة تذهب الى اقصى درجات الجنون، في معسكر المساجين. وسرعان ما تتحول تلك اللعبة المجنونة الى مباريات بين الجيمع، الحرس يجبرون المساجين على ممارسة الروليت الروسي.

متاهات وفوضى

وينزلق الجميع الى متاهات تلك الفوضى واللعبة القاتلة ويكون اول من يدخل اللعبة ستيفن.. ويبالغ نيك في اللعبة وبجنون لا يصدق، واداء نادر، بل هو الاهم في مسيرة النجم كريستوفر والكن، والذي نال عنه اوسكار احسن ممثل مساعد.

وتصل المواجهة في جوانبها النهائية، بين مايكل ونيك الى مرحلة الجنون والتطرف.. بل انهم يضعون ثلاث رصاصات بدلا من رصاصة واحدة.. وهو الانتحار الحقيقي والذي يحبس انفاس جمهور المشاهدين.

ونذهب الى عتمة مشهديات هي كل العنف. والذعر والتوتر والخوف، كلها اقتربت فوهة المسدس من رأس احدهم وضغط على الزناد.

خصوصا، اذا ما عرفنا، انه من اصل خمس فتحات في المسدس، هناك فتحتان فقط في القرص فارغتان، ولهذا فان فرص الحياة نادرة، وكأن الفيلم والشخصيات، حينما تذهب بنا الى ذلك المنزلق، وتلك الحافة، لتخلص الى مقولة، هي ان الانتحار اخف وطأة من الحرب وويلاتها ومواجهاتها في تلك الادغال الموحشة.

وبعد تلك المواجهة، يأتي القرار الاخر، بالفرار من المعسكر، عبر الطريق النهري، والمشي في النهر وسط متاهات هي اقسى من متاهات المواجهة مع «الروليت الروسي» و«مواجهة الجنود الفيتناميين».

وفي مغامرة اخرى، يفقد ستيفن قدميه بعد ان تكسرا، وينقذه مايكل (مايك)، بل ويحمله الى المنطقة الامنة.

بينما يجد نيك نفسه في احد المستشفيات في مدينة سايغون. وهناك يعود نيك الى ممارسة جنونه في لعب الروليت الروسي.

بينما يعود مايكل الى الديار ليرتبط مع ليندا، ويظل نيك وستيفن مفقودين كما هو شأن الكثيرين منهم، بل ان بعضهم عاد الى الوطن، وفضل ان يبقى غائبا لانه عاد وهو شبه مشلول، او بقايا جسد، او بقايا انسان.

انها الحرب وويلاتها.

انها المواجهة والاعتراض والرفض للحرب

ويبدأ مايكل جولته بالبحث عن رفاقه، ليجد لاحقا، ستيفن وقد فقد رجليه، واصبح معاقا، بعد ان قام اولا بزيارة زوجته التي تعيش حالة قريبة من الضياع والجنون.

هذه الحرب، انها دمار لكل شيء.

ولا فائز او مهزوم في الحرب، فالكل مهزوم، والكل مصاب والكل مدمر.

وفيلم «صائد الغزلان» يذهب بعيدا في تحليل تلك الاقامة، المقرونة بالالم والفزع والجنون.

وخلال زيارة مايكل الى ستيفن في المستشفى، يؤكد له ستيفن ان احدهم ارسل اليه مبلغاً ضخما من سايغون وهو يعتقد بان (نيك) لايزال حيا يرزق، ولهذا يقوم مايكل باقناع ستيفن بالرجوع الى منزله، واسرته، وزوجته بينما يشد مايكل لاحقا الرحال الى سايغون، قبيل خريف 1975، بمساعدة رجل فرنسي، وفي احدى الاندية الخاصة بالمقامرة يجد نيك والذي يحاول ان يختفي وهنا تحدث المواجهة الاهم في الفيلم، ولعلها اللحظة الاكثر اذى نفسياً، حينما يطلب مايكل من صديقه نيك ان يعود معه الى بنسلفانيا، ولكن كيف تكون العودة، وقد فرقته الحرب واخذت معه كل شيء، واصبح مدمنا على لعبة الموت تلك.

الروليت الروسي

ويطلب مايكل ان يبارز نيك، في الروليت الروسي وعندها تأتي اللحظة الحاسمة، فقد كان نيك يريد الموت ولا شيء سواه، ولهذا فهو يذهب الى المباراة الفاصلة، لا من اجل الفوز بل من اجل الموت، لانه يمثل بالنسبة له الفوز للتخلص من الحياة، ومن الواقع الذي يحيط به، والذي جرته اليه الحروب، والتدخل الاميركي في حياة الشعوب.

انه فيلم ابعد من ذلك بكثير، انه ضد كل الحرب، وضد كل التدخلات، وضد زج الابرياء من ابناء الشعوب في حروب مدمرة، تأكل كل شيء.

المشهد الاخير للفيلم ينتهي، بعزاء نيك، وحوله ما تبقى من اصدقائه، وقد لعبت الحرب بهم لعبتها وخلقت اثارها الموجعة عليهم، وعلى ملامحهم، واجسادهم واسرهم.

وهنا تأتي اغنية الرب يحرس اميركا.

ولكن ماذا عن شعبها وناسها ومستقبلها وتاريخها وتضحياتهم والاثار التي تخلفت عن تلك الحروب الطاحنة التي خاضتها.

انها اشكالية بشر اعتياديين، ثم اقتلاعهم من ارضهم وناس وحكاياتهم، الى مكان وزمان اخر لمواجهة وقتال اناس لايعرفونهم، ولم يسيئوا اليهم انها الحرب.

فيلم كبير، من توقيع مايكل كيمينو، فيلم لا يصنف الضحايا، فالجميع ابرياء، ولا تقسيم في الموت.

حيث تتحول البراءة في لحظة من تلك اللحظات التي تخلفها الحروب، الى وحوش قاتلة حينما لا تجد من تقتله فانها تقتل نفسها، وهذا ما نلمسه وباحتراف يدعونا للتصفيق طويلا للنجم الاميركي كريستوفر واكفل، الذي نعتقد بانه قدم يومها، افضل اداء له عبر مسيرته، ولهذا كان حصاده اوسكار افضل ممثل مساعد، بل ان صوره في احيان كثيرة، قفزت لتحتل البوسترات الى جوار النجم الكبير روبرت دونيرو.

فيلم يقول وباختصار شديد:

- لا للحرب.

إرسال تعليق

هذا الخيار من الجوال بس . شوف لك خيار ثاني

ابدا الكتابة واضغط انتر للبحث