الجمعة، 27 أغسطس 2010

’بن حور’ أسطورة اليهود الخالدة







يتعامل يهود العالم، مع فيلم «بن حور Ben Hur» على انه اسطورة اليهود الخالدة، والتحفة السينمائية التي تخلد جوانب من مسيرتهم ونضالهم ضد العبودية وثورتهم ضد الحاكم الروماني في تلك العصور البعيدة، ولهذا حينما جاء فيلم «بن حور» سخرت له كل الامكانيات، لنشاهد تحفة سينمائية، عالية الجودة، حتى وان اختلف البعض حول طروحاتها ومضامينها الفكرية والدينية.


وفيلم «بن حور» ليس مجرد عمل سينمائي، بل هو عودة الى مصدر ديني، وحدث تاريخي، واستدعاء تلك الرموز، وبلورتها في مضامين سينمائية، تمثل مرحلة متطورة في السينما الدينية، حتى وان اختلفنا معها، فنحن امام عمل سينمائي رفيع المستوى، قام باخراجه ويليام وايلر، وقدمه للسينما عام 1959، ليحصد 11 جائزة اوسكار، من بينها افضل فيلم، وكأن اعضاء اكاديمية العلوم والفنون السينمائية والثقل الذي يمثله اليهود في تلك الأكاديمية، جعلهم يصوتون لان يحصل الفيلم على تلك النسبة الأكبر بين الجوائز، ولايزال هذا الرقم بعيدا، رغم ان عدد فروع الجوائز شهد زيادة كبيرة.


الفيلم يروي حكاية يهودا بن حور (شارلتون هيستون) وهو شخصية يهودية ثرية، مأخوذة من عمق التاريخ اليهودي، تمتاز بالقوة والبسالة والتحدي وايضا الاصرار، حتى يصل الى لحظة مواجهة اعز اصدقائه وهو (ميسالا)، ونشير الى ان الفيلم يحمل عنواناً مركبا هو (بن حور: قصة المسيح)، ولهذا فاننا امام حدثين، اولهما ان حكاية يهودا ومواجهته لميسالا، وتجري احداثها في العهد الروماني ايام السيد المسيح - عليه السلام- وايضا بروز حكاية وصراع السيد المسيح والمواجهة مع العهد الروماني.


الفيلم يعتمد بشكل منهجي، خلفيات ذلك الصراع، رغم العلاقة الوطيدة التي تجمع بين الصديقين، والتي تمتد لأكثر من ربع قرن من الزمان، حيث يسعى ميسالا للحصول على مساعدة يهودا (بن حور) من اجل اقناع اليهود بعدم الثورة ضد الامبراطورية الرومانية، الا انه -ميسالا- يواجه برفض ذلك الامر، ورغبته في تحرير اليهود من العبودية.


الفيلم يعود بنا الى القرن الأول الميلادي، حيث لقاء يهودا بن حور وصديقه البطل والفارس -ميسالا- والذي جاء مطالبا بن حور مساعدته، لان يدخل الجيش الروماني مدينة القدس، ولكن ذلك الاجتماع المفصلي، ينتهي الى خلاف، بل وانشقاق مدمر.


الجيش الروماني


ولكن - ميسالا - لا يلتفت الى الامر، وتصل قوات الجيش الروماني، وهنا يلعب القدر لعبته، ففي اثناء دخول الجيش الروماني، كان بن حور جالسا مع والدته وشقيقته فوق السور، يتأملون دخول الجيش، واذا بحجر كبير يسقط من اعلى، ليقتل احد الحراس، وهنا يستغل القائد -ميسالا- الفرصة، حيث يأمر بحبس الام والاخت وايضا نفي «بن حور».


وهنا نكون امام رحلة طويلة، رحلة المغامرة والألم والعذابات، التي يظل (اليهود) يتذكرونها، كما يتذكرون احداثاً تاريخية اخرى، رحلة الالم والتعب والتهجير والنفي، حيث يقرر «يهودا بن حور» ان يعود لينتقم من صديقه «ميسالا» الذي خان العهد.. والصداقة.. والعلاقة الوطيدة التي جمعته مع يهودا واسرته.


رحلة تتأكد من خلالها قدرات «بن حور» كبطل حقيقي، بالذات، مشهد السباق الروماني، والذي يعتبر واحدا من المشهديات السينمائية المكتوبة والمنفذة بعناية، رغم ان الفيلم يعود انتاجه الى عام 1959، الا ان ذلك المشهد، يمثل انجازاً سينمائياً في عالم (المغامرة)، ويؤكد حرفيات مخرج كبير، وايضا ممثل مقتدر شارلتون هيستون.


وتمضي الرحلة الطويلة، وفي احدى مراحلها يلتقي بن حور بالسيد المسيح، وهو لقاء يحاول الفيلم من خلاله ان يبرئ ساحة اليهود، من التهم المسندة اليهم في موقفهم من السيد المسيح -عليه السلام- وهذا ما يذهب اليه لاحقا فيلم «عذابات السيد المسيح» لميل غيبسون.


يتألق ستيفن بويد في تجسيد - ميسالا- واصراره على خدمه الامبراطور الروماني.


بل انه من اجل ان يظل قريبا من ذلك الشرف الرفيع، ينسى علاقته بصديقه «بن حور» واسرته التي يعرفها وعاش بينها، لهذا ينفيه عبدا الى حيث السجن والغربة.


وهنا تبدأ المواجهة، حيث يشكل (يهودا) فريقاً من المقاتلين الشرسين، يواجهون المستحيل، حيث يصلون مدينة -الناصرة- وهنا يلتقي مع رجل يساعده بشربة ماء تنقذ عطشه، ومنها حيث تمضي المسيرة ورحلة التحدي، ولكنهم يظلون دائما في نظر الرومان واعوانه، مجرد عبيد، وهذا ما يجعل الاحساس بالبحث عن الحرية يتفجر ويتضاعف عند بن حور ومجموعته.


وكما اسلفنا، فان مضامين الرحلة، هي الأهم في هذا الفيلم، ففي كل محطة هناك حكاية ومزيد من البطولات، ومن مشاهد الرحلة، ذلك اللقاء مع الشيخ العربي الحكيم - بلتسار- والذي يقدم له النصائح، ويدله عن طريق النجوم الى الطريق الى -بيت لحم- بالاضافة الى اللقاء مع السيد المسيح -عليه السلام-.


الحصان الأبيض


كما يلتقي مع الشيخ ابراهيم الذي يكلف «يهودا» لان يقود الحصان الابيض، خلال السباق ضد «ميسالا» ويوافق يهودا على ذلك الطلب، من اجل لقاء «ميسالا» في الساحة الرئيسة (الايرنا).


وفي تلك الساحة، تتغير المصائر.. وتبدأ المواجهة ضمن ايقاع درامي، مكتوب ومنفذ ومجسد باحتراف سينمائي عال.


ويتكرر اللقاء والتحدي، خصوصا حينما يعرف «يهودا» من -ميسالا- ان امه وشقيقته لاتزالان على قيد الحياة. وهنا تتفجر مفردات تأكيد الحرية والبحث عن الخلاص والهيمنة، المتمثلة بغطرسة -ميسالا- والاحتلال الروماني.


هنالك نوع من البناء المزدوج، اولهما حكاية -يهودا- وثانيهما الاخبار المتداعية عن مسيرة السيد المسيح، ونضاله من اجل نشر الدين المسيحي، بل واللقاء المشترك الذي يجمع بينهما عبر ذلك الشيخ العربي.


والذي يعود - يهودا- ليلتقي به، ونعني الشيخ العربي -بلتسار- في احد شوارع المدينة المقدسة، والذي كان قد عثر على السيد المسيح وعرفه، وهنا يطلب يهودا ان يساعده الشيخ والسيد المسيح بكلماته وصلواته من اجل تحقيق حلم التحرير.. والتخلص من العبودية، ولكن يتم القبض على السيد المسيح في ذات اللحظة، ليصار الى محاكمته بحضور الجميع، بينما يذهب يهواد لتحرير امه وشقيقته.


وحينما يصل يهودا مع شقيقته وامه الى حيث يتم صلب السيد المسيح -عليه السلام- يشاهد يهودا المسيح، ويتعرف عليه، فاذا به ذات الشخص الذي كان قد اعطاه الماء وساعده في الطريق الى مدينة الناصرة.


صلب المسيح


وهنا يحاول -يهودا- ان يساعد السيد المسيح، حيث يحمل له الماء، بعد ان تم صلبه، ولكن لا فائدة، فقد صعدت الروح الى خالقها، وهنا نلاحظ التأثر عند يهودا، وهو ما يصفه البعض بايمان يهودا بالسيد المسيح.


وفي النهاية يعود يهودا الى منزله بعد ان حرر نفسه وروحه وآمن بعدالة السيد المسيح.


في الفيلم عدد بارز من الاسماء، ومنها (تشارلتون هيستون بدور يهودا بن حور) وجاك هوكينز (اريوس) وهايا هاراريت (استر) وستيفن بويد (ميسالا) وهيو جريفث (الشيخ ابراهيم وفينلاي كيري (بلتسار) وايضا لكود هيتر (بدور السيد المسيح).


يهتم اليهود اهتماما كبيرا بهذا الفيلم، لاعتبارات عدة، اولها، الحديث عن بطل يهودي، يتحدى الجميع، ويواجه الجميع من اجل الحرية والعدالة، وهو في الحين ذاته، يظل حريصا على تقديم الوفاء للسيد المسيح، وكأن اليهود لم يقفوا في أي لحظة من اللحظات امام السيد المسيح، او يشون به الى الحاكم الروماني.


في فيلم «بن حور» نسق سينمائي تقليدي، مكتوب باحتراف عالي المستوى، وضمن امكانيات وميزانيات ضخمة.


وحينما تذكر التحف السينمائية الكبرى، لابد من التوقف طويلا، عند هذا الفيلم، الذي كلما ذهبت اليه من زاوية، وجدت حالة من الثراء الغني، وايضا الفكري (حتى رغم الاختلاف).


ومن الاسباب التي نعتقد بانها وراء صنع هذا الفيلم في العالم العربي، اولها الحديث عن شخصية يهودية، وثانيهما ظهور السيد المسيح -عليه السلام- في عدد من المشهديات ولكن النسق الروحاني في الفيلم، يبدو عالياً، خصوصا في موضوع البحث عن الحرية، ومواجهة الظلم، ورفض العبودية، وكأن «اليهودية» تسعى الى تحقيق تلك المعطيات، وتؤمن بالأديان.


فيلم «بن حور» ملحمة سينمائية، لو لم يقدم شارلتون هيستون خلال مسيرته الطويلة، سوى هذا الفيلم لكان قد حصل على الخلود.. وقد بلغه.. فكيف بتاريخ.. وأعمال وانجازات.








إرسال تعليق

هذا الخيار من الجوال بس . شوف لك خيار ثاني

ابدا الكتابة واضغط انتر للبحث