الخميس، 19 أغسطس 2010

حبكة أكشن متماسكة.. لم تصل حد الإبهار «سالت» فيلم استخباراتي لفيليب نويس






Photo #2

لا يُمكن التغاضي عن صدفة التزامن الحاصل بين انطلاق العروض التجارية في صالات شتّى لـ«سالت»، الفيلم الأخير لفيليب نويس (مواليد غريفيث في أوستراليا، 29 نيسان 1950)، وإعلان السلطات الأميركية، مؤخّراً، عن إلقاء القبض على جواسيس روس، مزروعين منذ أعوام طويلة في قلب المجتمع الأميركي وبعض مؤسّساته الأساسية. إنها صدفة بحتة. إنجاز الفيلم تمّ قبل الإعلان الرسمي بوقت طويل، نسبياً. لكن خلفية المشهد العام تثير سؤال الصدفة. أو تحيل المرء على مسألة استمرار الوجود الأمني والاستخباراتي السوفياتي/ الروسي داخل الولايات المتحدّة الأميركية، وإن في إطار ما يُعرف بـ«الخلايا النائمة». فكرة «سالت» بسيطة وعادية: هناك عملاء سوفياتيون/ روس متغلغلون في أجهزة الدولة، ومنها «وكالة الاستخبارات المركزية». مزروعون منذ النصف الثاني للأربعينيات، وما تبعها من حرب باردة بين المعسكرين الشرقي والغربي، وما بعد هاتين المحطّتين التاريخيتين. والخلايا النائمة هذه مستعدّة لتنفيذ خطط معينة، عند الحاجة، أو عندما تحين الساعة المنتظرة.
خطّة فردية
غير أن عملاء «سالت» نتاج مشروع قام به فرد واحد. عندما آلت أمور المعسكرين إلى ما يُشبه الهدوء النسبي، أو قبل ذلك بقليل، قرّر الرجل الغامض خطف أطفال صغار، لتربيتهم على أسس عقائدية سوفياتية خالصة: تدريبات حادّة لتحويلهم إلى نخبة النخب الاستخباراتية، وتثقيف عقائدي شرس. وتدريبات جسدية حادّة. النتيجة: أعداد هائلة من العملاء الكفوئين، الذين باتوا مسؤولين بارزين في أجهزة ومؤسّسات أميركية مختلفة، من دون أن يعرفوا بعضهم البعض. تواريخ سيرهم الذاتية متشابهة إلى حدّ بعيد، على مستوى «اليُتم» تحديداً. فهؤلاء يتامى، إثر وفاة أهاليهم لأسباب شتّى، منها حوادث السير القاتلة. إيفلين سالت (آنجلينا جولي) عميلة استخباراتية، خضعت لمثل هذه التدريبات، قبل أن تتبوأ منصباً رفيع المستوى في «وكالة الاستخبارات المركزية». اتقانها اللغة الروسية، جعلها مسؤولة في قطاع مراقبة التجسّس الروسي والعالم الشيوعي/ الاشتراكي السابق. متزوّجة من عالِم متخصّص بالحشرات، التقته «صدفة» قبل إلقاء القبض عليها في كوريا الشمالية، وترحيلها إلى الولايات المتحدّة الأميركية لاحقاً. تُكنّ له مشاعر جميلة. لا تُخفي حبّها له. أثناء الاستعادات القليلة في السياق الدرامي للحبكة الأصلية، هناك لحظة اعتراف من قبلها بحقيقة مهنتها أمام حبيبها/ زوجها. مع هذا، تسير أمورهما بشكل طبيعي. مع زميلها في الوكالة تد وينتر (ليف شرايبر)، شكّلت ثنائياً بارعاً في مهنة معقّدة وخطرة. غير أن لحظة واحدة فقط بدّلت الأمور كلّها: إلقاء القبض على الروسي أورلوف (دانيال أولبريشسكي)، والطلب من سالت (الكلمة الإنكليزية Salt تعني ملح، ولهذا التعبير دلالة دينية، إذ جاء في الأناجيل المسيحية أن المؤمنين هم «ملح الأرض»، علماً بأن النصوص نفسها تحذّر: إذا فسد الملح فبماذا يُملَّح. نهاية الفيلم تكشف أن بعض «الأنقياء» المختارين هم ملح الأرض، كي لا تفسد الأرض والحياة معاً) التحقيق معه، على مسامع زميلها تد والمسؤول الأعلى ويليام بيبودي (شوينتال إيجيوسفور) وبعض الأمنيين المعنيين بالمسألة.
اللحظة صفر
ما فعله أورلوف بسيط: تعمّد بلوغ مكتب الوكالة الأميركية، بهدف دفع المسؤولين إلى جعل سالت تحقّق معه. فسالت مدعوة إلى تنفيذ مهمّة: اغتيال الرئيس الروسي، القادم إلى الولايات المتحدّة الأميركية للمُشاركة في مأتم نائب الرئيس الأميركي. القصّة القصيرة (المذكورة أعلاه) التي رواها العميل الروسي، تضمّنت كشف الهوية الحقيقية لسالت: إنها عميلة روسية. وسط دهشة إيفلين ساأت نفسها، ومحاولتها الخفرة تكذيب أورلوف، وأمام عدم تصديق تد وينتر الحكاية كلّها، ألحّ ويليام بيبودي على استجوابها، نظراً إلى خطورة المسألة. لكن سالت ترفض الإذعان للأمر، وتبدأ رحلة الخروج من المقرّ العام للوكالة، بعد أن نجح أورلوف في الهرب بدوره. من هنا، تبدأ سلسلة مطاردات خطرة على الطرقات الواسعة (هل تتذكّرون الجزء الثالث من «ماتريكس» للأخوين آندي ولاري واتشوفسكي مثلاً)، حيث تكشف آنجلينا جولي (أو بديلتها) عن حرفية لافتة للانتباه في المشاهد الخاصّة بالحركة والتشويق. والمطاردة تحيل الفيلم إلى نسخة طبق الأصل عن نمط سينمائي لا يزال يحصد أرباحاً مالية معينة، وبعض «الرضى» النقدي» أحياناً.
بعيداً عن مسألة التزامن بين إطلاق العروض التجارية لـ«سالت» والإعلان الرسمي عن اعتقال جواسيس روس في الولايات المتحدّة الأميركية، يُمكن القول إن الفيلم الأخير لفيليب نويس منتم بشدّة إلى أفلام التشويق الاستخباراتي، المرتكزة على مزيج النقد السياسي المبطّن بانتصار الخير، وإن جاء الخير وانتصاره، هذه المرّة، من عميلة روسية مرتدّة. وبعيداً عن الشغل الاحترافي في مشاهد المطاردة والقتال والتصفيات الجسدية، يُمكن القول إن «سالت» لم يُقدّم جديداً يُذكر، على المستويين الدرامي والجمالي. أما العودة إلى الاتحاد السوفياتي السابق، للقول إن العداء بينه وبين الكتلة الغربية عامة والولايات المتحدة الأميركية خاصّة لا يزال فاعلاً، فغير مبرَّرة كفاية، درامياً وثقافياً على الأقلّ. أفلام هوليوودية كثيرة أُنجزت مؤخّراً لم تختف وراء الغموض في تحديد ملامح العدو. من أفغانستان والعراق إلى الإسلام والمسلمين، غاصت أفلامٌ عدّة في تشعّبات العلاقة الصدامية بين الغرب/ الولايات المتحدّة الأميركية والإسلام، العدو الجديد، بعد الشيوعيين والآسيويين وغيرهم. «سالت»، بهذا المعنى، خرج على المتداول من دون أن يبلغ مرتبة الإبهار الدرامي/ الحكائي، ومن دون أن يتفوّق على أشباهه. في الشقّ التقني والتشويقي، بدا الفيلم متماسكاً. في الشقّ الدرامي، المبالغة في لقطات الأكشن ظلّت أسيرة المعـــروف، ولم تُخـــرج الــنصّ الحكائي من سذاجته (أحياناً) في مقاربة المسألة.

إرسال تعليق

هذا الخيار من الجوال بس . شوف لك خيار ثاني

ابدا الكتابة واضغط انتر للبحث